هناك رجال حين يرحلون، تشعر أن جداراً خفياً كان يسند شيئاً ما في روح هذه المدينة قد سقط؛ لا لشيء إلا لأنهم كانوا يوزعون "الونس" والطمأنينة في صمت. هكذا كان الدكتور عمرو حلمي، وزير الصحة والسكان الأسبق، وأشهر جراحي الكبد في مصر، الذي غادر دنيانا في الساعات الأولى من صباح اليوم، الجمعة 26 يونيو 2026.
الجراحة والقصة القصيرة.. صلة رحم بين المشرط والقلم
في إحدى ليالي "ملتقى السرد العربي"، جلس دكتور عمرو حلمي بيننا في ندوة حملت عنوان «فروسية الطب والقلم». كان يتحدث وعيناه تلمعان بشغف "صنايعي" يحب كارَهُ، ويدرك أبعاده الفلسفية. يومها رمى في أذهاننا جملة لا تخرج إلا من مبدع حقيقي حين قال: "الجراحة في علوم الطب تشبه القصة القصيرة".
يا لها من مفارقة عبقرية! كلاهما—الجراحة والقصة القصيرة—لا يقبلان الحشو أو الترهل، كلاهما يحتاج إلى تكثيف شديد، مهارة، دقة في التفاصيل، ونهاية حاسمة ترفع الألم عن البطل وتمنحه فرصة جديدة للحياة. كان الرجل يرى أن مهارة الجراح، تماماً كمهارة الكاتب، تنعكس على كل من يشاركه مسرح العمليات (أو مسرح النص).
تأثر طبيبنا الراحل بآباء الطب والأدب في مصر؛ شرب من نبع يوسف إدريس، وتأمل تجربة يحيى حقي، وأنصت لعقل مصطفى محمود. أدرك مبكراً أن علاج الكبد يحتاج إلى يد ثابتة ومشرط دقيق، بينما علاج الروح يحتاج إلى كلمة صادقة تتسع لكل ألم لكي تخفف عنه.
من عيادة المهندسين إلى سدة الوزارة.. سيرة "صنايعي" الشفاء
ابن الزقازيق البار، الذي شق طريقه في دروب الحياة حاملاً جينات المصري الأصيل.. رحلة الدكتور عمرو حلمي لم تكن مجرد سيرة ذاتية لوزير تولى حقيبة الصحة في فترة دقيقة من تاريخ مصر (عام 2011 إبان حكومة الدكتور عصام شرف)، بل كانت رحلة كفاح حقيقية.
كان يحكي بابتسامته الهادئة كيف بدأ حياته العملية في القاهرة بعد التخرج، ليفتتح عيادته في شارع جامعة الدول العربية حين كان الشارع "صحراء قاحلة" لا بشر فيها. لكنه، بقلب المؤمن العارف، كان يردد دائماً أن من لطف الله وكرمه أن أُسس مسجد مصطفى محمود بالقرب منه؛ ليكون هذا الجوار المبارك نقطة نور تدفع بالمرضى والأهالي إلى عيادته التي لم يتركها يوماً، والتي ظلت حتى أيامه الأخيرة محراباً للرحمة والشفاء.[/rtl]
ملتقى السرد العربي يودع "فارسه"
إننا في ملتقى السرد العربي الدائم بالقاهرة، حين ننعي خبر وفاة د. عمرو حلمي، فإننا نودع قارئاً نهماً، ومثقفاً حقيقياً، وإنساناً كان يتسع قلبه للجميع. لقد أدرك الراحل أن الطب بلا إنسانية يتحول إلى ميكانيكا باردة، وأن الكلمة الطيبة هي المخدر الموضعي الأهم قبل أي عملية جراحية.
لقد كان يرى في الثقافة دواءً مكملاً لأمراض المجتمع، وكان يرى في تواصل الأجيال (ورفضه الدائم لركود بقاء الأساتذة في الجامعات دون تبادل للخبرات) ضرورة كي تستمر عجلة الحياة في الدوران.
موعد الجنازة وتفاصيل الوداع الأخير
لكل محبي الراحل والباحثين عن فرصة وداعه الأخير؛ فقد غيب الموت طبيبنا الجليل إثر وعكة صحية مفاجئة تدهورت على إثرها حالته خلال الساعات الماضية. ومن المقرر أن تقام صلاة الجنازة على جثمان الدكتور عمرو حلمي اليوم السبت، ليوارى الثرى في مدافن العائلة بـ "كفر الشورشي" بمركز الزقازيق في محافظة الشرقية.
سلاماً على روحك يا دكتور عمرو.
سلاماً على يد جرحت لتشفي، وروح عشقت الأدب فصارت هي نفسها "قصة قصيرة" بليغة الأثر، ومكتملة البناء، وخالدة المعنى. نم قرير العين في براح رحمة الله، فقد أديت الأمانة بفروسية تليق بطبيب، ونبل يليق بأديب.
إنا لله وإنا إليه راجعون.



