فهم ( الدماغ الإيراني )
أصبحت الحاجة ماسة ، في أوساط النخبة المثقفة المصرية و العربية ، لفهم ( الدماغ الإيراني ) 

استراتيجياته و مشروعه العقدي ـ القائم على عقيدة ( المهدي ) - و إمكاناته الحقيقية ، دون تهويل أو تهوين ، بعد مرور ما يربو على أربعة عقود من ( الثورة الإسلامية ) عام ١٩٧٩ 


من الأسف المركب ، أن موقف النخبة المثقفة العربية ، يتماهى ( بمطابقة مخجلة ! ) تماما ـ لا تلو وجهك زعلا أرجوك ! 
ـ مع الرؤية ( الغربية ) ، المتسمة بالغطرسة العنصرية، و الروح الاستعماري المتعالي ، و العجرفة المنفرة ، و هي رؤية مفادها أن إيران ( حالة قلقة / طارئة ) ، ( سندويتش دليفري سريع 
) تشكلت عشوائيا بفعل ( آيات الله ) ، أو مجموعة الملالي ( التي تعيش في صندوق " قم " خارج الزمان و التاريخ ! ) معزولة عن العالم الخارجي ، و خاضعة كعروس " الماريونيت " ، لمخرج المسرحية الملالية في " واشنطن " و هو المخرج الذي يقوم بترقيصها، كالسيد لجاريته !


و لن تلبث أن تزول كقرص الشمع ، أمام الحرارة ، أي حرارة و لو دخان شاي أو أبخرة قهوة 

بدا هذا التأثر ـ المخجل ! - بالرؤية الغربية في كتاب" عمرو أحمد " - مثالا لا حصرا - : " إيران .. الجمهورية القلقة " . 

و هو من أحدث الكتب ، التي عالجت الملف الإيراني ، و كتب على هامش الاحتجاجات الشعبية في طهران عامي ٢٠٢٥ و ٢٠٢٦ . و تكاد تحس بعد قراءة الكتاب أن إيران مجرد " سبرتو" وهمي سيطير من الأفق ، مع أول نفخة ، تأثرا بذات الرؤية الغربية ، التي تنبأت بعد أسبوعين من اندلاع الثورة الإسلامية ، بأن نظام الملالي الكرتوني ، سينهار بعد أسبوع ثالث لا أكثر ـ ( واخد بالك ! ) أسبوع لا أربعة عقود !! 


حاول " محمد حسنين هيكل " ، الداهية الصحفي المخضرم أن يرتب ألوان اللوحة ، في رأس المثقفين العرب ، بصورة مغايرة ، في كتابه : " مدافع آية الله " ، و كان الكتاب فرصة ، لأن نتعامل دون استعلاء ، أو تقوقع في المعطف الغربي ، مع الحالة الإيرانية ، بصورة جادة ، و كان هيكل صديقا شخصيا للخميني ، منذ الستينيات ( جمعتهما قعدات القهوة العربي 
) و هو ما يفسر أن نظام الخميني ، أطلع هيكل على وثائق خطيرة ،بعد واقعة احتلال السفارة الأمريكية في طهران ، و كانت أول صفعة موجعة ـ الصفعة الأولى - من نظام الملالي لواشنطن 
، ( القلم ) الأول من فيلم " عنتر و لبلب " 

و تصدر المشهد ـ بعد هيكل ـ المفكر المعروف : " فهمي هويدي " ، بكتابه ( القنبلة ) : " إيران من الداخل " ، و قد التقى هويدي مع كوادر الثورة الإيرانية و قياداتها ، و كتب عن طبيعة الحراك الإيراني ، بصورة علمية / تحليلية ، تلتزم تماما ، بمنهجيات التاريخ و أسسه ، بعيدا عن ( حكاية السبرتو ) القلق الذي سيطير ، و يتبدد مع أول نفخة 

و كان كتاب هويدي ، شجاعا جسورا 
لأن النظام المباركي ـ آنذاك ـ كان يفرض حظرا أو شبه حظر ، على الملف الإيراني ، و يتعامل مع تطورات الوضع الإيراني ، بمنطق ( اعمل ... ميت )

لكن الكتاب الأكثر أهمية ، و نرشحه لك - هو كتاب المؤرخ الأمريكي إيراني الأصل : ( آروند إبراهيميان ) ( ١٩٤٠ - .. ) : " تاريخ إيران الحديثة " ( عالم المعرفة / الكويت ) ، و إبراهيميان هو أستاذ التاريخ بكلية " باروخ " ، و بجامعة مدينة نيويورك 

كان إبراهيميان ، يكتب عن إيران منذ رسالته للدكتوراه ، التي تقدم بها لجامعة كولومبيا ، و أتبعها بمجموعة كتب مهمة للغاية ، عن إيران ، أبرزها كتابه : " الخمينية " ( ١٩٩٤ ) 

مؤرخنا يكتب ، من داخل المطبخ ، لأنه تعلم في مدارس " مهر " الإيرانية ، قبل أن ينتقل إلى بريطانيا ، ثم أمريكا ،أستاذا و محاضرا 


من خلال ستة فصول ، رسم لنا المؤلف المتحقق ، الذي يحترم عقل قارئه ، صورة حقيقية لإيران ، منذ تاريخ " القاجار " في القرن التاسع عشر ، قفزا إلى محاولات تأميم النفط و حركة " محمد مصدق " الثورية ، للاستقلال و مطالع الخمسينيات 

ثم انقلاب " رضا خان " ، و بدء موجة الانقلابات العسكرية ، التي قادتها " السي آي إيه " الأمريكية ، بدهاء و تخابث 


ثم كان ارتقاء الخميني ـ و ( الخمينية ) ـ ذروة المشهد ، بركوب ما أسماه المؤلف ( الشعبوية الدينية ) ، تأثرا بفكرة " جوستاف لوبون " ، حول توظيف الموجات الجماهيرية ، و لو كانت غوغائية أحيانا ، لتثبيت بنية سياسية ثورية جديدة ، تقوم على سياسة ( ولاية الفقيه ) 


نبه المؤلف إلى أن النظام الجديد ، قاد حركة إصلاحية قوية ، بدأها بالتصالح مع خطاب الآداب و الفنون ـ خصوصا السينما بإنشاء مدينة سينمائية ـ ثم سمح ببنية سياسية صلبة قائمة على المبايعة و الانتخاب ، و تخلص تماما من تدخلات الإدارة الأمريكية في صناعة الانقلابات ، فبقيت يد واشنطن مغلولة ، نحوا من أربعين سنة 


كما تصرف النظام بذكاء ، في موضوع الإصلاح الزراعي ، فسمح لرأس المال الداخلي بالتنفس و امتدادية الدور 

ثم كان التصنيع العسكري المبهر ، الذي انفطمت معه طهران ، من حاضنة الثور و المحراث الخشبي ، فصنعت أقوى منظومة صاروخية في العالم 



و طورت برنامجا نوويا جادا ( خمس مدن صاروخية تحت الأرض ، و خصوصا في " كرمان شاه " 


) ، بعيدا عن الدعاية و ميكروفونات البلاغة و ترندات " مداهم " 


كتاب " إبراهيميان " ، يقدم مسحا تاريخيا مذهلا لإيران ، منذ الثورة ، حتى عهد " أحمدي نجاد " 

عزيزي القاريء : اطلع جيدا ـ أرجوك - على الحالة الإيرانية ، بعيدا عن حكاية السبرتو القلقة ، التي لن تلبث أن تزول 

طهران نفسيا ، كانت أسدا محبوسا في قفصه الضيق ، بحصار رهيب ، لمدة عشرين عاما ، و عندما فتح له باب القفص ، قرر أن ينتقم من جلاده ، ( و ممن عاون جلاده ! ) بقوة و مكر و عقيدة ، و ضربات هستيرية منضبطة متراكمة موجعة ، بعد طول كبت 







فهم الحالة الإيرانية ، و أنها حالة إقليمية متفوقة صلبة ( ثابتة لا عرضية ) ، مهم قبل أن تتكلم عن الحرب ( الترامبية ) الأحدث 


على العربي أن يفهم الوجدان الإيراني ، بتواضع و مسئولية ، بعيدا عن الوصاية الأمريكية ، و على الإيراني أن يتنازل عن إرث النعرة الصفوية ، أو فكرة ابتلاع الجار ، أو فرض المذهب ، و تصدير الثورة بطريق الاستضعاف 

الكتاب يقع في ثلاثمائة و تسع عشرة صفحة ، من ترجمة المبدع " مجدي صبحي" 


