17‏/06‏/2016

الإبراشي.. الوجه المراوغ لإعلام السلطة!


في جريدة المصريون




هل يشعر (وائل الإبراشي) بالخوف من القدر (الرواندي) الزاحف الذي يدنو بقوة من المشهد الإعلامي بالخصوص، أو المصري بالعموم إن شئنا التعميم؟ يستطيع المتابع الدقيق للآلية الإعلامية والتقنية المتسمة بالعصبية الشديدة، والتي يدير بها الإعلامي (وائل الإبراشي) حصصه الإعلامية الأحدث، أن يلحظ للوهلة الأولى غلبة الارتباك والافتقار التام إلى البوصلة والتنكب الواضح للمعايير المهنية المعروفة في أكاديميات (علم الإعلام) ومعاهده المرموقة، وبمقدور المتابع نفسه أن يقطع بأن أداء (الإبراشي) هو - في الجوهر - مؤشر رمزي دال، معبر عن أداء السلطة نفسها! وفي تقديري أن (الإبراشي) هو الأذكى في تمرير رسائل السلطة ومشروعاتها، بوجه ديكوري، ممعن في المراوغة، يتظاهر بالحياد وهو في قمة الانحياز الفج، ويتستر خلف ستائر (المهنية) وهو في ذروة الأداء الفوضوي المنفلت من أية معايير مهنية، ويلبس معطف المعارض الراسخ وهو يرسخ - بدأب - لأبواق السلطة وأذرعها الإعلامية بمهارة شديدة! احترقت معظم الكروت الإعلامية للسلطة بمتوالية إعلامية سريعة، ووحده بقي (الإبراشي) في مدينة الإنتاج (يعافر) بقوة هائلة في حصص إعلامية ماراثونية تمتد حتى ساعات الصباح الأولى (بالمخالفة الفجة للمؤشر القياسي الزمني المتعارف عليها لمواقيت البرامج!) ليستقطب الجماهير المتابعة إلى مشروع السلطة وخطتها الماضية، رغم استحكام طوق الأزمة الآخذة بخناق الجميع أو بالأدق ضفيرة الأزمات المرعبة التي تتكاثر في الوطن كالفطر! وبالعودة إلى حاشية السؤال الذي يتصدر مستهل المقال، أستطيع - بضمير وطني مطمئن - أن أقطع بأن مصر الشعبية لم تصل بعد إلى مستوى الحالة الرواندية التي صاحبت الصراع العنصري المسموم المجنون بين (التوتسي) و(الهوتو)، وهو الصراع الأهلي الأضخم في القارة، والذي راح ضحيته ما يقارب الثمانمائة ألف، بحسب إحصاءات الأمم المتحدة، أو المليون، بحسب الإحصاءات الرواندية المحلية! كان ذلك عام 1994 واستطاعت (رواندا) الآن أن تتجاوز هذا الجنون بعقد اجتماعي جديد طوى صفحة الماضي / العنصري الكالح! وربما يعود هذا الشق من إجابتي إلى ما طبع عليه المصريون _ تاريخيا _ من التماسك الإثني / المجتمعي المنحدر من أقدم العصور، ولما ألمسه من وجود بعض (الحكمة) لدى أطراف وقوى (قليلة للغاية!) تعيق ماكينة الجنون السياسي والإيديولوجي الأسود عن الدوران بأقصى سرعتها! وهذا لا ينفي _ بطبيعة الحال _ أن ماكينة الجنون قد بدأت في التحرك البطيء، وأن أداء (أمناء الشرطة) الذين يعربدون في شوارع القاهرة بزخات الرصاص الحي هو مؤشر أولي لهذا الجنون! وأن زفة المواطنين (الشرفاء) الراقصين في الميادين مشهرين أعلام (السعودية) (لا مصر!) يوم 25 من إبريل الحالي، بأداء هستيري متبلد هو مؤشر أولي إضافي للظاهرة نفسها! ! إن ضميري الوطني / التاريخي يحدثني بأن مصر الشعبية، لن تسقط في فخ الثأرات العنصرية السوداء، التي عرفها غيرنا لأسباب تاريخية هيكلية تتعلق ببنية الوطن المصري ذاته، ولكن لا يتعين أن يدفعنا هذا الرابط الاجتماعي التاريخي إلى الإفراط في الثقة، لأن ضغط الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإقليمية يدق فوق الجماجم بضراوة غير مسبوقة، وأداء السلطة هو الأسوأ منذ 23 يوليو 1952، ومنسوب الخيار الأمني هو الأعلى في تاريخ الدولة الحديثة في مصر، وحركة الصعود الشامل لـ (إسرائيل) (وإيران) في المنطقة هو الأقوى _ إقليميا ودوليا _ بالتأكيد. لكن إفلات المشهد الشعبي المصري من القدر الرواندي _ فيما أحسب أو أتمنى _ لا يعني إفلات (المشهد الإعلامي) من هذا القدر الرواندي الذي يرسخ قوائمه بقوة، يعرف (الإبراشي) ورفاقه جيدا في مدينة الإنتاج الإعلامي، ممن فضلوا ركوب قاطرة (الخطاب التحريضي) العلني ضد شريحة من الشعب المصري _ أيا ما كانت الولاءات والآراء السياسية _ أن ما بثوه عبر سنوات ثلاث أو أربع، من وصلات تحريضية، لتسويغ الإيذاء والعدوانية والتصفية، يفوق _ بمراحل ممتدة _ ما صنعه الإعلامي الرواندي المحرض (حسن إنجيزي) أو (فردينان ناهيمانا) في بؤرة موتورة حاقدة سميت في سنوات الاحتراب الأهلي الرواندي بـ (إذاعة التلال الألف)، فقد مضى (إنجيزي) و(ناهيمانا) يقلبان الحقائق بقوة، ويدعوان الهوتو إلى حمل (المناجل والبلط والمطاوي) لذبح التوتسي في شوارع العاصمة المنكوبة (آنذاك) (كيجالي)، ووصل الأمر بالإعلاميين الروانديين إلى الوشاية بأماكن تجمع التوتسي واختبائهم في الشوارع الجانبية. وما زال الروانديون يتذكرون (إنجيزي) وهو يصرخ في الإذاعة: (.. على القوى الثورية الذهاب إلى هناك لإتمام العمل و(أداء المهمة) في أسرع وقت..) ولم تكن (المهمة) المقصودة إلا الذبح على وقع أغنية ساقطة قميئة بعنوان: (الصراصير ليست كثيرة..) وكان المقصود بالصراصير (التوتسي) الذين تحولوا على مذبح التحريض الإعلامي الغوغائي إلى (كائن حيواني) بلا حقوق! ودارت ماكينة الكراهية العنصرية والعدوانية التي أصبحت في معجم الإعلام الرواندي مرادفة لمعنى (الوطنية الحقة)، وبدأ الروانديون يتغيرون عن طبيعتهم الأولى ويحصون سبعمائة ألف جثة في الأسابيع الأولى للتحريض! وتساءل البسطاء والخبراء معا: (كيف تحول الأبرياء إلى قتلة؟ ومن حقنهم بهذا السم؟) وبتنحية الحالة الرواندية جانبا، سيتلاحظ لنا أن ماكينة التبرير التي دأب (الإبراشي) على إدارتها لحساب عمليات التجميل الديكوري، قد توقفت تقريبا عن العمل، خصوصا بعد أزمتي الأمناء والجزيرتين، واختفى (الإبراشي) بذكاء عن المشهد _ منذ يوم الاثنين الماضي _ وتضاربت الأنباء، فقيل إنه ذهب إلى (بيروت) لتسجيل حلقة حول دور مصر في المنطقة، ثم قيل إنه ذهب لتسجيل حلقة مع المطرب المعتزل (فضل شاكر)! ولم يكن مهما التسجيل مع أي مخلوق قدر ما كان مهما الغياب عن المشهد المتأزم الآن، بعد أن تعطلت ماكينة التبرير وأطلت مخاوف المخاطرة بفقدان آخر ورقة إعلامية! وقد لمس (الإبراشي) ملامح الكارثة بفقدان المصداقية الكاملة، حين كان زملاؤه الصحفيون يحتشدون للدفاع عن كرامتهم المهينة _ في الأزمة الأحدث _ فيما كان يذيع حلقة مع أبطال فيلم (اللي اختشوا ماتوا) متجاهلا ما يدور! يعرف الإبراشي (1963 _..) أن رصيده الذي صنعه، بخلع الأضراس، منذ كان صحفيا في (روز اليوسف) ثم قائدًا لتجربة (صوت الأمة)، حتى أصبح الوجه الأول في تجربة (العاشرة مساء) بفضائية (دريم)، أقول يعرف الرجل أن رصيده تناقص إلى ما تحت حدود الأمان مع (العك) الشامل الذي يشمل المشهد، وأن ما أسماه مرارًا (مكونات الثلاثين من يونيو) قد تفكك لآخر (صامولة ومسمار)! ومع كل موجة كبيرة لأزمة سياسية ضخمة تمس السلطة يبادر إلى وضع يده على قلبه بعد أن ودع إلى الأبد مواقع الحياد الواجب أو المفترض وتماهى تمامًا مع السلطة دون أي مسافة أمان! وزاد الطين بلة أن (الإبراشي) اتهم _ على صعيد مستويات شعبية واسعة _ بأن برنامجه كان محطة لـ (تسليم المعارضين) بدءا من الصحفي (هاني صلاح الدين) ومرورا بـ د. (محمود شعبان) ووصولا إلى (الأمناء السبعة) الذين اختفوا وهم في الطريق إلى أستوديوهات العاشرة مساء والأمثلة هنا أوسع من أن تستقصى! لا يخالجني شك في أن جرائم التحريض العنصري والانحراف المهني و(فبركة) المداخلات التليفونية لغسيل الأدمغة، هي أسوأ ما أراه من خطايا معاصرة تلابس المشهد، ولن أغامر بتوجيه أية نصائح لـ (الإبراشي) ورفقائه، فقط أذكرهم بأن الجنائية الدولية قد حاكمت الإعلاميين الروانديين / المحرضين (حسن إنجيزي) و(فردينان ناهيمانا) في جلسات مشهودة في مدينة (أروشا) التنزانية في أسرع محاكمات عرفت بفضل الأدلة الكثيرة الواضحة التي تمثلها كل حصة حرضت، وكل برنامج نفث سما للكراهية والحقد. وبقي التذكير بأن وصلات التحريض لـ (إنجيزي) و(ناهيمانا) لم تبلغ عشر معشار ما نسمعه ونراه من تحريض أسود تلفظه مدينة الإنتاج الإعلامي بلا توقف.. حاولوا _ بالخيال السياسي _ أن ترقبوا المستقبل القادم وأن تبصروا جيدا بمواقع الأقدام.. حينذاك قد يتثبت الإبراشي أن الخبطات الصحفية الضخمة التي عرف بها من قبيل قضية (لوسي أرتين) أو (سلسلة الهاربين إلى لندن) لن تساوي شيئا أمام دم أريق أو نفس تعكرت بالضغينة الموتورة بسبب خطاب تحريضي، أدار ظهره للمهنية، وتنكب في أية لحظة لأمانة المهنة!

الجمعة, 29 أبريل 2016

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق