د. كريمة ... من نصبه فقيها للمرحلة ؟
رداً على ( رحلة الدم ) : .. ثلاثة مسيحيين أنصفوا الفتح
أتجنب _ معظم الوقت _ الخوض في سير العلماء المحدثين و تراجمهم , مهما تكن أخطاؤهم أو رؤاهم , و لا أتطرق إلى اجتهادات فقيه متثبت أو عالم ذائع أو حتى خامل الذكر إلا في حدود الضرورة القصوى , و الأسباب في هذا المنحى الغالب _ فيما أحسب _ واضحة أهمها و أكثرها وجاهة , الحفاظ على مابقي من هيبة لدعاتنا و علمائنا في القلوب , بعد أن دارت ماكينة التشهير الإعلامي الموتورة , بمنحى مسيس / مؤدلج , لقضم لحومهم بضراوة و اغتيال مواقعهم المهيبة بفجور, بضوء أخضر من بعض القوى و الأطراف !
و إذا كان هذا هو المسلك الغالب الذي قنعت بأن أخطه لنفسي منذ البداية , و خصوصا في هذه الأجواء المكفهرة التي تعيشها مصربعد أن تقاذفت الأمواج سفينتنا بعنف و بدا أن الربان مرتبك بصورة خطيرة , فإن هذا لا يتعين في تقديري أن يحملني أو يحمل غيري على غض الطرف عن ممارسات دعوية و فقهية معرقلة , تجاوزت في إطاحتها بأبجديات الاصطفاف الواجب و التأصيل الفقهي الرصين و الخطاب الهاديء , كل الحدود ! و لن أسرف هنا في التطويل في الديباجة و الاستهلالات المفترضة , و لأقل تلخيصا لرسالتي إن أداء د . أحمد كريمة في أحدث ظهور إعلامي له , و هو يحاول _ بخلع الأضراس _ الدفاع المستميت عن المستشار / ( أحمد الزند ) و يحشد من المبررات الشرعية ما يخرجه من مأزق التطاول المستهتر الفج على أقدس رمز إسلامي ( و هو النبي صلى الله عليه و سلم ) , أقول إن أداء د . كريمة , كان متعجرفا مسطحا عنيفا و كارثيا غاب عنه الهدوء و التواضع و تاه تماما عن رصانة التأصيل و القياس ,على نحو لا يمكن معه الصمت أو تجاهل الأمر ! و الأسوأ من الشق الفقهي أن مجمل أداء الرجل بدا للجميع ( موجها ) تماما و محتشدا لتبرئة الزند بأي ثمن , و دفعه هذا الهدف الكبير إلى رفع العقيرة بصخب لا يليق و ( الغلوشة ) الصوتية على الطرف الآخر المناظر الذي بدا أهدأ أداء و أثبت حجة و أكثر قدرة على الإقناع و أوفر تمسكا بعفة التخاطب ! لم يخسر د كريمة هنا مجرد مناظرة يترقبها الرأي العام , بما يشبه اللهاث , و إنما خسر مقدارا هائلا من رصيد القلوب , و أبت الأقدار إلا أن تتكامل خسارته بعد أن رحل ( الزند ) , بصورة مفاجئة , إلى ( دبي ) دون أن يواجه خصومه و منتقديه داخل الوطن بفروسية واجبة , متحررا من هيبة المنصب و حصانة الحقيبة الوزارية , و ترك ( الزند ) مؤيديه و المتعاطفين معه _ و في جملتهم د . كريمة _ يواجهون أكثر المواقف إحراجا على الإطلاق !
لبريق الكاميرا إغراء هائل , يعشي العيون أحيانا , و هذا البريق على أية حال لا يتعين أن يدفعنا إلى اقتحام المساحات المحرجة الشائكة , ظنا منا أن بمقدورنا لي ذراع الحقائق أو النصوص أو تشكيك الملايين في حقيقة ما سمعوه بوضوح و رأوه بطريقة ناصعة لا تحتمل التأويل ! فلا معنى للقول إن الرجل قال : ( ..نبي ) و لم يقل: ( ..النبي) , فقد أتبع الرجل كلمته بقوله : ( ..صلى الله عليه و سلم ) , و هنا تخصصت الحالة بوضوح و بان المقصود بلا رتوش ! ففيم الإنكار أو التعتيم و المكابرة ؟! و ما معنى أن يسرد ( د . كريمة ) حشدا من نصوص القرآن و السنة عن التكفير و التوبة و الاستتابة , ثم يقول في النهاية : ( ..أخرجوا الإسلام من الموضوع ..! ) ( أي موضوع الزند ) بينما الكلام دائر عن نبي الإسلام نفسه ؟!
أتابع د . كريمة منذ فترة طويلة , و قد اتفقت مع بعض كتبه , و خصوصا كتابيه : ( حرمة التكفير ) و ( فتنة التكفير ) , ورأيته في المجمل فقيها يميل إلى الجزئيات لا الكليات , على ما بدا في كتابه : ( سجود الشكر و أحكامه في الفقه الإسلامي ) . و لاحظت بعين المتابع أن الرجل ينزل القياس الفقهي , في كثير من الأحيان على غير محله , خصوصا إذا كانت القضية المثارة عصرية و يمكننا التأكد بمراجعة كتابه : ( الرضاع و أحكامه في الشريعة الإسلامية ) على تفصيل قد تتكفل به بإذن الله مقالات قادمة . لكن مسلك الرجل من الوجهة الفقهية و الأدائية اتسم في الفترة الاخيرة بالجرأة في غير موضعها و الاندفاع المشوب بكثير من العصبية و التوتر , و هو ما ظهر بوضوح حين صعق الجميع بزيارة مريبة ل ( إيران ) أثارت سخط الجميع و نقمتهم , و حين انفجرت غضبة الرأي العام مضى يتحدى الجميع , مؤكدا أنه زار المناطق الكردية السنية ليعطيهم محاضرات في الفقه , و لا شأن له بالمراجع الشيعية , و كان مطلوبا منا _ مرة أخرى ! _ أن نكذب أعيننا التي رأته و هو يصافح بحرارة ( ناصر الشيرازي ) أهم شاتمي الصحابة و لاعنيهم في إيران على الإطلاق ! و حين واجهه أحد منتقدي الزيارة إعلاميا سمعناه يقول بكبر معيب : ( ..أنا لا أخاطب إلا عالما من درجتي و لا أنزل إلى مستوى الرعاع ..! ) و هو كبر يكاد يماثل الكبر نفسه الذي رأيناه في حواره الأحدث حول الزند حين مضى يستخف بالقدرات الفقهية لمناظره قائلا له : ( ..ما تعجنش في الكلام ..! ) فيما بدا لنا جميعا أن مناظره كان أرسخ قدما و أمكن لغة و ألحن بحجته !
لا أنكر هنا أن د . كريمة أستاذ الفقه المقارن و الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهرإنما يتحدث في تخصصه الذي كان له دارسا و معلما في مصر و السعودية و سلطنة عمان , و لكن أزمة د كريمة تكمن في تصوري في الاندفاع المستمر للظهور الإعلامي المصحوب بلعبة التوازنات في المشهد , و هي لعبة خطيرة قادته قديما إلى الانتصار لفنانة معروفة في نزاع قضائي بينها و بين أحد الدعاة قبل ثلاث سنوات بانحياز فج لا يعرف رائحة التوازن أو الحياد ! و فجيعة البحث العلمي و داؤه تلوين الجهد بالهوى الشخصي و ( تسييس ) الرؤية , و هو ما بدا في كتاب د كريمة : ( السلفية بين الأصيل و الدخيل ) حيث غاب الإنصاف و الأناة و التأصيل الفقهي الجاد و ظهرت اللغة الصحفية بمصطلحاتها الانطباعية ذات الرائحة السياسية الواضحة من مثل : ( الجمودية ) و ( المتسلفين ) و ( الخلط الاعتقادي ) و ( التغابي ) و ( التسلفات المتناثرة ) , فضلا عن اتهامه للعقيدة كما يشرحها السلفيون و غيرهم , بأنها مجرد ظل لفكرة التثليث و الأقانيم الثلاثة في المسيحية حين قسم السلفيون و متابعوهم العقيدة إلى توحيد ربوبية و ألوهية و أسماء و صفات ! و مضى الرجل ليتهم التيار السلفي في المجمل بأنه يرفض القول ب ( كروية الأرض ) و ( حركتها ) ! و برغم أنني شخصيا أتحفظ على قسم معتبر من ممارسات الحركة السلفية و منهجها , فإن اتهامات الرجل للحركة تجاوزت المعقول بما يخرج عن التصور ! و لا يمكن لمن كتب دراسة بعنوان : ( إسلام بلا فرق ) أن يكون تعصبه ضد بعض التيارات و الفرق بهذا المنحى العدواني المنتصر لبعض الفرق الأخرى !
تبقى الآفة هنا كامنة في التسييس الزائد و الكبر في تلقي الفكرة المقابلة , و هنا تتألق كفصوص الماس مقولة ( أيوب السختياني ) : ( ينبغي للعالم أن يحثو التراب على رأسه تواضعا لله عز و جل ) . قد يكون د . كريمة مجتهدا بآلة الاجتهاد و عدته لكنه لا يمكن بحال بالمؤشرات المعلنة السابقة أن يكون( فقيها للمرحلة ) كما تحاول بعض غرف المشورة أن تعده لذلك , فضلا عن أن نهجه الموضح يكرس الاستقطاب و يدفع بأطنان من البنزين على نار مشتعلة أصلا يرنو معها الجميع إلى الانفراجات الوطنية و عودة اللحمة لجسد أثخنته الجراح و مزقت أعضاءه لتشطرها طولا و عرضا ! تحتاج مصر الآن إلى تلامذة ( محمد الغزالي ) و مدرسته المستوعبة الجسور الرؤوم . و نبحث عن فقه جاد يطفيء النيران التي طالت ثيابنا جميعا !
من جريدة المصريون
بتاريخ18 مارس 2016
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق