د. جابر نصار .. وحصان عقبة !
نحى د / (جابر نصار) أستاذ القانون الدستوري المعروف، رئيس جامعة القاهرة، كل الأزمات المصرية الهيكلية الدامية جانبًا _ بما في ذلك أزمات التعليم الجامعي نفسه _ ليشتبك في معركة (كرتونية) مدوية مع الصحابي (عقبة بن نافع) فاتح المغرب العربي وحصانه العجوز، الذي لم يعد ملائمًا للمرحلة! ومضى د. نصار _ في معركته الكرتونية _ ليمد أطرافها مع (عنترة بن شداد) _ أي والله عنترة! _ مواصلًا بهمة حرب طواحين الهواء، وتصدير الدخان الكثيف إلى الرأي العام، حتى لا يبصر برقعة الأزمة الرهيبة التي تأخذ بخناق مصر، في إطار نظرية الإلهاء الاستراتيجي المفضلة لدي كثيرين في مصر الآن لصرف الأنظار بعيدًا الجروح النافذة الحقيقية في جسد الوطن المكلوم!
جاء ذلك خلال مؤتمر عقد في جامعة القاهرة _ قبل أيام _ تحت عنوان: (إعادة التوازن للاقتصاد المصري لتحقيق الانطلاق)، بالتعاون مع (تحالف المصريين في أمريكا الشمالية)، لاحظوا معي أن المؤتمر حول (الاقتصاد) لا الجهاد أو النضال (فما دخل عقبة بالأمر؟) ولاحظوا معي أن المؤتمر يحدد هدفه ب (إعادة التوازن الاقتصادي وتحقيق الانطلاق) ولم يحدد هدفه مطلقًا بدراسة الفروسية أو السير الشعبية أو الشعر (فما دخل عنترة بالأمر؟) ولماذا فضل د جابر _ الآن تحديدًا _ أن ينضم إلى معزوفة التربص بالتاريخ الإسلامي أو بالفكرة الإسلامية ذاتها، مشاركًا _ بنشاط قوي _ في اللحن الأوركسترالي الجماعي لاغتيال التاريخ الإسلامي والتشهير برموزه؟ ليكن لحنًا أوركستراليًا يغري بالمشاركة، أو حتى معزوفة صغيرة في إطار (موسيقى الحجرة) التي تتألف من أربعين عازفًا أو أقل، فليس مهمًا حجم المعزوفة ونوعها أو عدد العازفين فيها، ولكن المهم: ما دخل هذا كله بأزمة الدولار المحطمة للضلوع أو بأزمات الدواء المميتة أو بدعم السلع الأساسية والوقود، أو بالصفقات المريبة لحيتان رجال الأعمال، التي لم تنته بعد من مص آخر قطرة من دمائنا؟ وما دخل هذا الحوار حول (عقبة) و(عنترة)، بالاقتصاد المصري الذي يتنفس بأنبوبة (أكسجين) متهالكة، ويوشك معها أن يلفظ آخر أنفاسه، لولا عناية الله _ وحدها _ بهذا الشعب المسكين المهيض!
أفهم أن يدعو د / جابر، إلى دراسة سيرة الاقتصادي الكبير: (طلعت حرب)، الذي قدم للوطن أفضل فكر اقتصادي ومشروعات إنمائية نهضوية للارتقاء باقتصاد البلاد، في مختلف المناحي والأنشطة المالية والمصرفية بل والثقافية، ولكن لماذا الزج بـ (عقبة بن نافع) وتجريحه وغمز تاريخه بهذه الفجاجة؟! ولماذا تأتي دراسة (طلعت حرب) _ في طرح د جابر ورؤيته! _ خصمًا من دراسة التاريخ الإسلامي، وبمنحى الطعن في رموزه واستبعادها _ بهذه القسوة؟ ومن الجهة المستهدفة _ داخل مصر أو خارجها _ بهذه المغازلة المكشوفة لتيار اللادينيين في مصر، وهم الذين يجعلون من رموز التاريخ الإسلامي وأيقوناته، عدوهم الأوحد، وخصمهم الشرير الذي لا خصم غيره!
يسخر د جابر _ إذن _ من دراسة تاريخ (عقبة) الدموي _ فيما يرى! _ في المرحلة الإعدادية من الدراسة في المدارس المصرية، بذريعة أنه ينتمي إلى الماضي، غافلًا عن أن المدارس النظيرة في أمريكا وأوروبا تدرس _ أيضًا _ (ريتشارد قلب الأسد) و(جورج واشنطن) و(مارتن لوثر)، مع أنها شخصيات تنتمي إلى الماضي! بل إن (طلعت حرب) نفسه شخصية تنتمي إلى مطالع القرن الماضي! إلا إذا كان تعامله مع هذا الماضي انتقائيًا _ على الإيديولوجيا والهوية _ يختار ما يريد ويستبعد من يشاء! مع ملاحظة أن اختيار د جابر، هنا، حالة (فردية) تعبر عن رأيه هو، لا عبر برلمان أو صيغة شعبية معقولة تضمن دعم الفكرة جماهيريًا، ولكن د جابر _ شأن كثيرين من النخبة المصرية! _ يرى نفسه الجماهير، ويختزل معنى الجماهير في ذاته الإمبراطورية التي لا تراجع ولا تناقش ولا تمس! ومتى تكف النخبة المصرية عن أن تنصب من نفسها ممثلًا أوحد لملايين من الجماهير العريضة؟
ما الذي وجهه (عقبة) لك يا د. جابر من ضرر أو إيذاء، فسعيت إلى اغتياله معنويًا، بحضور عشرات الكاميرات والوفود المشاركة؟ وماذا تتوقع من مردود أو فائدة، من جراء هذا التجريح؟ هل تنتظر (نوبل) مثلًا أو (البوكر) أو (الجونكور) أو الافتتاحيات التأييدية لك في (الواشنطن بوست)؟ أو موقعًا مرموقًا في الأمم المتحدة؟ وما الذي سيفيده الجائعون والمرضى والعاطلون والناقمون في مصر من هذا التجريح السخيف الذي يطول التاريخ الإسلامي وحده دون غيره؟ وسأمد في مساحة السؤال قليلًا وأسأل: هل قرأت كتابًا واحدًا عن الصحابي _ أكرر الصحابي! _ (عقبة بن نافع)، وهو صحابي بالمولد، حيث ولد في حياة النبي (صلى الله عليه وسلم) _ بعد عام واحد من الهجرة _ فيما يذكر المؤرخون؟
يشعر (أحمد عبد المعطي حجازي) _ قبل سنوات، بالفراغ القاتل فيهاجم (عقبة بن نافع)! ومن بعده يشكو (إبراهيم عيسى) بعض الملل القاتل فيمرر يديه على حمالاته الشهيرة ويمضي في شتم (عقبة) بصورة مقذعة متدنية! وهاهو الآن د (جابر نصار) ضاقت أمامه كل الموضوعات والقضايا فلم يجد سوى غمز (عقبة) والتشهير به دفعًا للملل، ومن باب ملء ساعات المؤتمر بأية مادة حوارية (محبشة) مثيرة لشهية الإعلاميين؟ ولدي ثقة مطلقة بأن واحدًا من هؤلاء لم يقرأ كتابًا واحدًا حول (عقبة) وترجمته المعتمدة!
د / (جابر نصار) شخصية ذات طموح أكاديمي، وهو أمر جيد دون شك، بدليل أنه عين معيدًا في الجامعة عام 1984، ثم رقى أستاذًا عام 2003، وقدم للمكتبة عددًا من الكتب، وهنا أسأله _ بوضوح _ لقد صنفت كتابًا مهمًا بعنوان: (الاستفتاء الشعبي والديمقراطية) (1993) فلماذا لا تحدثنا عن (الديمقراطية) و(الاستفتاءات الشعبية) الآن في مصر، بدلًا من أن ترحل بنا في كهوف الماضي البعيد، وتجتر معارك (عقبة) والحاميات الرومية قبل قرون؟ وصنفت كتابًا راقيًا استمتعت _ شخصيًا _ بقراءته: (حرية الصحافة _ دراسة مقارنة) فلماذا لا تتحدث عن (حريات الصحفيين) في ربوع المحروسة الآن؟ ولديك كتاب قيم بعنوان: (النظام القانوني للمدعي العام الاشتراكي في مصر) (2003) تطرقت فيه لقضية رؤوس الأموال الخاصة وتجاوزات رأس المال السياسي، فهل تجرؤ _ الآن _ على التطرق لأية تجاوزات لرأس المال السياسي في مصر، الذي خلط حساباته في البنوك _ في الداخل والخارج _ بأقواتنا ورقابنا ودمائنا؟ وهل تتجاسر أن تذكر تجاوزات رجل أعمال واحد في مصر _ باسمه! _ بنفس الجسارة والجرأة التي غمزت بها (عقبة) الذي لا تعرفه؟ نعم أؤكد أنك لا تعرفه، سيرة أو خلقًا!
إن منطقك في استبعاد (عقبة) من التاريخ الذي يدرس _ بذريعة الانتماء إلى الماضي _ هو منطق كفيل باستبعاد (الإسكندر) و(هانيبال) و(أحمس) و(نابليون) و(روميل) وغيرهم لانتمائهم إلى نفس الماضي وهو منطق كفيل _ أيضًا _ بإغلاق أقسام التاريخ في الجامعات المصرية برمتها لأنها تتعامل مع الماضي، دراسة وتدريسًا! لا يصدر هذا الكلام في حالتنا من مجرد أكاديمي أو مثقف، وإنما من رئيس أعرق جامعة مصرية وعربية، وهنا تكمن المأساة الإغريقية الموجعة!
الذي يعرفه المؤرخون الثقات، أن (عقبة)، كان قائدًا للحامية الإسلامية في مدينة (برقة) _ في عهدي (عثمان) و(على) رضي الله عنهما _ حيث تجنب الرجل أحداث الفتنة ومضى يكسر الحاميات العسكرية الرومية في الشمال الإفريقي، تزامنًا مع نشر الفكرة الإسلامية بين تجمعات البربر، فكان دوره عسكريًا ودعويًا في آن، ولما استقر الأمر لـ (معاوية) _ 41 من الهجرة _ واصل (عقبة) جهوده العسكرية في حماية خاصرة المسلمين وتطهير المناطق من جيوب الاحتلال الرومي، تواكبًا مع عرض الإسلام _ فكرة ومعتنقًا ومنهجًا _ على قبائل البربر.
لا ننكر أنه قد تكون لـ (عقبة) تجاوزات _ في معاركه _ يدرسها المؤرخون دون تشنج، ويوازنون بينها وبين منجزاته الهائلة في المغرب العربي والشمال الإفريقي، فيخرجون بنتائج تؤكد _ في المجمل _ حجم المنجز الدعوي والعسكري للرجل، الذي شارك _ فعليًا _ في فتح مصر _ مع أبيه _ ومضى بقوة، فيما بعد ليكسر حالات التمرد التي استهدفت تحطيم ضلوع الدولة الإسلامية في (ودان) و(جرمة) و(قصور خاوار) ولو أتيح لهذه الحركات التمردية الهائلة فرصة التمدد، جنبًا إلى جنب مع نشاط الجيوش الرومية الهائلة في الشمال الإفريقي، لأصبحت الدولة الإسلامية نفسها مجرد أنقاض أو ذكرى غالية في القرون اللاحقة! إن المتمردين الذين خرجوا في (الزاب) أو (تاهرت) أو (باغاية) لم يكن في نيتهم توزيع الحلوى، بل ضرب المسلمين بالامتداد داخل حدودهم _ بمعاونة الروم _ وقد تكفل (عقبة) بكسر شوكتهم _ بعدة وعتاد قليلين _ وامتد بجنوده الذي أحبوه حبًا جمًا، حتى اخترق بفرسه مياه (المحيط الأطلنطي) قائلًا: (.. يا رب لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهدًا(.
في أحدث زياراتي إلى المغرب الشقيق، وجدت لدى الأكاديميين المغاربة إعجابًا بـ(عقبة) الذي حمى خاصرة الدولة وأسس (القيروان) وصدر في علم العسكرية دروسًا في فنون (المباغتة) و(تحشيد القوات) و(تأمين خيوط المواصلات) و(توظيف سلاح الاستطلاع)، فضلًا عن درس مهم وهو تداول المواقع القيادية والامتثال لفكرة الدولة ومنظومتها بنضج، حيث تنحى (عقبة) عن القيادة _ بهدوء _ بعد عزله تاركًا كرسي القيادة لـ (أبي المهاجر بن دينار)، قارن ذلك بـ (بشار الأسد) _ مثالًا لا حصرًا _ وهو الذي لم يترك حجرًا سليمًا في سوريا لمجرد طرح احتمالية تغيير قيادته بأخرى! !
أزل يا د. جابر غشاوة الرؤية واقرأ كتاب المؤرخ والمربي الجزائري الكبير (التواتي بن مبارك): (تشنيف المسامع بترجمة الصحابي عقبة بن نافع) (دار قرفة للطباعة والنشر ببسكرة / 2010)، فقد يطلعك هذا الكتاب على حقيقة الرجل الذي شهرت به، وأنت لا تعرفه!
ويبقى السؤال الأكثر أهمية: لماذا يضير البعض (حصان عقبة) الذي حمى فكرة الدولة بنبل وفروسية، فيما يتقبل (هذا البعض) _ بمرونة _ بوارج (موسكو) وأساطيل (واشنطن) التي شقت بطون العرب وأهلكت حرثهم؟
من جريدة المصريون
بتاريخ02 ديسمبر 2016
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق