09‏/07‏/2017

المحطة / الأسوأ ..التي توقعناها !

المحطة / الأسوأ ..التي توقعناها !




تتعامل بعض الدوائر داخل السلطة المصرية بمنطق ( معلم القهوة ) , أو بمنطق المعلم ( زكي قدرة ) الذي يحمل الكرسي على ذراعه ذي العضلات المفتولة ويقذف به نحو ( الكلوب ) أو المصباح لإظلام المكان , أو ( تقفيل القهوة ) _ كما تقول العبارة الشعبية اللاذعة ! _ لا يهم حل المشكلة , و لا يهم تذليل أسباب الأزمة باتجاه التصفية و الحلول , لا يهم إعادة الحق لأصحابه , أو رفع أسباب النزاع بين الفرقاء و المتخاصمين و التفكير الجدي في إعادة التماسك و اللحمة إلى العائلة المشتتة ! و لا يهم الإبراق برسائل الطمأنة لنفوس خائفة ملتاعة  من صورة المستقبل المجللة بالسواد بضغط الأزمات المتراكمة الرهيبة ! لا يهم هذا كله , المهم إظهار القوة و التلويح بالعصا و العين الحمراء , و إبراز الشكيمة على طريقة ( شخطة ) شاويش الدرك في الأفلام القديمة ليرتدع المجرمون و الأشقياء و السكارى ! و يتفرق الصبية المشاغبون , خوفا ً و هلعا ً ! هكذا تفكر السلطة فهي تقتحم الأزمة دون خطة و تدوس في مساحة الوجع دون معلومة واحدة صحيحة أو تصور محترم لعلاج طويل الأمد أو قصير الأمد  , و تبغض ( و لا بد أن نعترف ! ) شريحة من الجماهير لم تتوافق منذ البداية مع مشروعها و لم تقر عصاها الأمنية و خطتها ( الغشيمة ) القائمة على الإخافة و تأميم الفضاء العام دون أية اختراقات أو ابتكارات أو حلول معقولة  ! إنها النظرية الشعبية المغلوطة / الممسوخة التي زرعتها السلطة في الوجدان الجماهيري العام _ منذ 23 يوليو 1925 حتى الآن _ أننا بإزاء شعب مقهور بالفطرة ,  يتحرك دوما ً بوصاية السلطة و شكيمتها دون أي قرار شخصي في مصيره و لا يجدي معه سوى ( الكرباج ) ! صدرت ماكينة يوليو الإعلامية هذا الوهم القمعي و مازالت السلطة تستند إليه حتى الآن و تتوكأ على عصاه دون حساب فارق الزمان و المكان و البيئة الإقليمية و الدولية المحيطة , مع أن هذا الوهم الأسطوري الذي دفعت به السلطة و سممت الأجواء بأدخنته المعطنة منذ ستين عاما ً  لم يحل لنا يوما ً أزمة !
 يصرخ الشعب : المرافق منهارة , و الاقتصاد يسعل من جوفه قيحا ً و دما ً و الغلاء يمر بتروسه في قلب اللحم , و الأسرة المصرية صار أفرادها أعداء متنافرين لا يطيقون البيت الواحد في انقسام مجتمعي لم يحدث في مصر يوما ً , و مكانة مصر الدولية تضاءلت و ( تقزمت ) بصورة خطيرة جرأت عليها جزرا ً صغيرة لا ترى بالعين المجردة , و الغرف في أفخر الفنادق في السواحل تخلو من سائح واحد و الدولار يمضي كالطائرة النفاثة باتجاه ( خمسة عشر ) جنيها ً , و تحويلات المصريين بالخارج تقترب من المرحلة ( الصفرية ) بسبب تشكك الجاليات المصرية في المهجر في سلامة المنهج الذي تتخذه السلطة منذ ثلاثة أعوام و عدم ثقة الجاليات إجمالا ً في خطط السلطة و مدى جديتها منذ نصبت الزفة الكبيرة على هامش ( قناة السويس ) الجديدة التي ستدر مئات المليارات , و ( المؤتمر الاقتصادي ) الذي سيفتح صنابير الين و اليورو بلا حساب ! و إغلاق عشرات المصانع و تأخر صرف الرواتب في عدة قطاعات بسبب ضيق ذات اليد ,  يصرخ الشعب بهذه الصرخات المجلجلة الباكية , فترد السلطة , بالدفع بمزيد من التشكيلات الأمنية في الميادين و مداخل المدن , و طباعة مزيد من العملات النقدية ( البنكنوت ) دون غطاء من ( العملة الأجنبية ) أو ( احتياطي الذهب ) , فترتفع فورا ً مستويات التضخم و تقفز بترمومتر مخيف  يطوح بنا نحو قاع الحفرة !
وتتمثل النكبة الكبرى في  أن كوارث الأداء السلطوي فيما مضى كانت تغلف ببعض ( الطبطبة ) اللفظية عديمة الفائدة  , او بقناع ديكوري ودود  من تملق ( الشعب الصبور القادر على شد الأحزمة ) و اقتسام عبء المعاناة ! أما الآن فقد اندفعت السلطة _ دون حياء _ في ذات السياسات القائمة في الجوهر على الخيار الأمني وحده , مع  نزع  هذا القناع الديكوري الودود و المضي الكيدي في إلقاء اللوم على الجماهير الجاهلة , المغرر بها , و توجيه الإهانات المباشرة إلى الشعب الكسول الغر الذي لا يستحق قياداته الملهمة صاحبة الحلم الكبير ! و من ثم بدأت بعض القيادات في توجيه إهانات عجيبة إلى الشعب , بخفة و طيش , كأنما تستحث المواجهة و تفتعلها بمنطق متسلط ( سادي )  عسير على الفهم , إلا إذا كان هو نفسه منطق المعلم ( زكي قدرة ) القادر على تحدي خصومه و إظلام المقهى في أي وقت أعني منطق صناعة الخصوم و تكثيرهم ليصبحوا ألوفا ً دون مبالاة  ! و في هذا الإطار الجديد الذي يسيء السياسات و يهين الشعب في الوقت نفسه  , برعونة , فوجئنا ب( حلمي النمنم ) وزير الثقافة الحالي  _ افتراضا ً ! _ يعلق على أحداث الفتنة الطائفية الأحدث في الصعيد , و هي الأزمة التي لم تبذل مؤسساته الخائبة أي جهد ثقافي أو توعوي في تجنبها منذ البداية بترسيخ ثقافة الوحدة الوطنية و الشراكة الحضارية المفترضة , أقول فوجئنا بالسيد ( النمنم ) _ و في إهانة غليظة  جماعية موجعة غير مسؤولة _ يقول عن ( أهل المنيا ) , إنهم يفضلون افتتاح ( صالة ديسكو ) عن افتتاح ( دار عبادة ) ! و هذا التصريح  العنصري الملتاث الذي يستهدف أهل الصعيد إجمالا ً أو أهل المنيا خصوصا ً , لو قيل في دولة أخرى أو في لحظة أخرى من تاريخ مصر الفائت لتمت محاسبة صاحبه عليه حسابا ً طويلا ً , و لجلس في بيته من فوره جزاء وفاقا ً لسلاطة لسانه باتجاه شعب المنيا العظيم  , فضلا ً عن مساءلته القانونية الواجبة , حين يرى أن منجز ( الرقص ) _ وحده _ هو ما يميز أهل المنيا , دون أن يدري أن المنيا كانت عاصمة الدولة المصرية في زمن ( إخناتون ) العبقري , و أن أرض ( البهنسا ) رويت بدماء الشهداء الأبرار من الصحابة الكبار _ زمن الفتح الإسلامي _ و أن عروس الصعيد أمدت مصر بعشرات النابهين و المنجزات , قبل أن يولد ( النمنم ) نفسه أو يتشكل  _ بيولوجيا ً _ لسانه  العنصري الذي يوجه هذه الإهانات ! و لكنه السياق العام الذي يستمريء إهانة الجماهير المنهوكة و التعالي عليها بغطرسة !
 كانت محطات الأزمة _ فيما مضى _ نمطية أو شبه نمطية  , تجدي معها التشكيلات الأمنية , بصورة نسبية , و يصلح معها , بشكل تقريبي , الخيار الأمني الصارم , حتى و إن انطوى على خطورة خلق أجيال شديدة الحقد و النقمة في السراديب و الأنفاق , و تنظيمات متطرفة / راديكالية لا تعترف بغير لغة الدم و الكلاشنكوف و الموت ! أما المحطة الحالية فهي ( اقتصادية ) خالصة ذات طابع كارثي شامل ,  لا يجدي معها تشكيل أمني أو تجريدة شرطية أو أرتال مدرعات  , بعد بلوغ الاقتصاد المصري ما يشبه مرحلة ( انسداد الموارد ) تماما ً و التلويح _ من قبل بعض الوزراء _ بورقة ( إشهار الإفلاس ) وفق الطريق ( الأرجنتينية ) الكارثية ! و تصورت أن اقتراب ألسنة النيران في الحالة المصرية من الشريان و الوريد , سيكون كفيلا ً بتغيير السياسات الاستراتيجية القائمة منذ ثلاثة أعوام , و لكنني كنت واهما ً لأن السلطة واجهت الأزمة الدولارية  الأحدث , بطريقة المعلم ( زكي قدرة ) , بتحريك تجريدة أمنية نحو عدة شركات صرافة  و ( تقفيلها ) بمنطق الفتوة أو ( القبضاي ) فتم التحفظ على سبع عشرة شركة و إغلاق عشر شركات أخرى حديثا ً , و ( لم ) كل الدولارات في الأجولة ! ! إنه منطق ( زكي قدرة ) القادر دوما ً على إغاظة الخصوم و تقفيل المقهى و إظلامه , أما إضاءة النور مجددا ً و وضع مصر العظيمة الجريحة على عتبة الدولة الديمقراطية القوية الحديثة , فعمل آخر لا يقدر عليه  منطق ( زكي قدرة ) , و إنما تصنعه الانفراجات و المصالحات الوطنية و الحريات  المدنية و تقديم النابهين و الكفاءات من كل الأجيال و الأطياف إلى الصدارة ,  لوضع الحلول الابتكارية الملائمة , و لكن هذه حكاية أخرى !

من جريدة الصريون
بتاريخ05 أغسطس 2016 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق