09‏/07‏/2017

خالد منتصر .. عندما تتجمل المخالب بالمانيكير

خالد منتصر .. عندما تتجمل المخالب بالمانيكير




أزمة الطبيب د. خالد منتصر تكاد أن تتطابق _ وإن لم يكن ذلك بصورة حرفية _ مع أزمة د. يوسف زيدان, كلاهما لديه طموح زائد لأن يقفز فوق أسوار تخصصه, حتى وإن لم يساند هذا الطموح أدوات وعدة كافية أو تأهيل يبرر تفجير المعارك وتحريك الدانات والمدافع بمنطق استباحة الخصوم واستئصالهم ! فالدكتور منتصر لا يريد أن يعترف تسليمًا بتخصصه الطبي المحدد رئيسًا لقسم (الجلدية والتناسلية) بجامعة قناة السويس, والدكتور زيدان لا يريد _ بالمثل والموازاة أن يعترف بتخصصه المحدد في الفلسفة الصوفية!

 ولا بأس أن يجتهد  الاثنان, فكريًا, في التاريخ والفقه والتفسير والحديث وعلم الحضارات وعلم مقارنة الأديان, شريطة أن يكون وراء ذلك جهد علمي مبذول وعكوف محترم على المراجع واستيثاق من المعلومة قبل الدفع بها, واحترام لذكاء القاريء وقبول فعلي لنقد الآخرين ومعارضتهم, بدلًا من السخرية المتغطرسة والاستعداء الأمني الصريح لإزاحة الخصم من الطريق بالوشايات الأمنية والوسائل القائمة على الإسكات أو التخويف الأمني أو لي الذراع !

 وكلاهما, في الوقت نفسه, صنعت جزءًا كبيرًا منه _ ظاهرة و حضورًا _ ماكينة الماكياج الإعلامي بفكرة المبالغة القائمة على التضخيم والتهويل وتكريس الشو الإعلامي! فقد تم تصدير د. خالد منتصر وإعادة تدويره حين اختير معدًا و مقدمًا للفقرة الطبية في برنامج  العاشرة مساء, ومسئولاً في الوقت نفسه عن قسم الثقافة الجنسية بموقع  إيلاف. وله محاولات في كتابة القصة القصيرة, قبل أن تقوده الرحلة إلى المصري اليوم و الوطن .

 وكان يمكن أن تفيد مصر من هذا الجهد المتنوع, لو خلا من الحقد الإيديولوجي الأسود والإصرار المجاني على اللعب العبثي في مساحة الهوية الإسلامية العربية بمنطق الاستفزاز وروح المشادة والتربص, دون روح الفهم الموضوعي و المحاولة الجادة للتعرف والارتياد والكشف. كان يمكن قبول هذا الجهد والترحيب به لو تجرد من روح الاستعداء وتسخين الحاكم أو السلطة ضد المعارضين أو تيارات كبيرة بعينها _ بهدف الاستئصال الكامل لا بأية أهداف فكرية أخرى !  دون تمييز بين غلاة ومتزمتين وبين معتدلين, خصوصًا في أوقات يتجه فيها الوطن نحو انقسامات خطيرة و شق ضخم شطر البلاد طولاً و عرضًا _ بانقسامات مجتمعية شديدة الخطورة.

 كانت مقالات خالد منتصر الأحدث, استمرارًا للعبة الإلهاء الاستراتيجي و إرباك الأولويات الوطنية وتوريط مصر في مزيد من الانشقاقات المجتمعية لا بهدف تضميد الجراح وإنما بهدف حشوها بالملح, ليتضاعف ألمها الرهيب, فضلاً عن هدف استراتيجي أكبر تمثل في التربص بـ(الفكرة الإسلامية) وحدها دائمًا دون مراجعة أي فكر آخر _ كالفكر الماركسي مثلاً  أو المشروع الناصري الجاثم على صدورنا كالحجر المقدس الصلد! _ وكان بإمكاني التغاضي عن كتابات منتصر وتربصاته الاستفزازية, لولا أنني وجدت أن العوار الفكري الذي يشمل كتاباته التي تفح بغل موتور ضد الفكرة الإسلامية وحدها مرة أخرى ! هو في حقيقته نموذج لعوار شامل يصم الليبرالية المصرية الراهنة ويلطخ قماشتها الرثة أصلاً بالأتربة, تحتشد لمعركة النقاب ولا تجد لها أثرًا حين ترتفع هراوة السلطة لتهدد الحرية, تتكاثر لمعركة اللحية المقدسة أو طول الجلباب, دون أن نسمع لها صوتًا حين يصادر الصوت الانتخابي مثلاً أو تتكرس أعمدة الدولة الشمولية! تبحلق بعين مفتوحة في المناقشات والسجالات ذات الصبغة الدينية, وتتصامم وتتعامى وتدعي الغياب الكاذب  حين تدوس أية سلطة أبسط مبادئ الحرية و الكرامة والحق الإنساني الطبيعي! لا مانع _ من وجهة نظر الليبراليين (الكيوت) _  أن تسحقنا السلطة بالحذاء وتعبث بمصائرنا وحرياتنا كعرائس الماريونت, المهم ألا تصدر التجاوزات عن الإسلاميين! مع تسليمي بأخطائهم ورفضي لها بالقطع !.

 لم يكتب منتصر حرفًا واحدًا محترمًا عن  مالك عدلي أو كارثة الدولار أو فاجعة سد النهضة أو الغلاء والكواء في ربوع المحروسة أو تجاوزات أمناء الشرطة مثلًا, أو توقيف بعض زملائه من حملة الأقلام والكاميرات, ولكنه ملأ الأسماع بمعركة مفتعلة خائبة حول صلاحية ماء زمزم للشرب! ليؤكد أن ماء زمزم يحتوي على معادن سامة ضارة بالكلى ! .. وأن زفة ماء زمزم ليست أكثر من بيزنس, وليته أحال إلى مرجع لافت للأنظار وإنما اكتفى بالقول إن هذا الضرر المزعوم المتعلق بماء زمزم, هو في حقيقته بحث للكاتب السعودي د. فيصل شاهين, وكأن سعوديته أو مصريته أو سودانيته هي الفيصل في الحكم على قوة فكرته وحجيتها وصلاحيتها للقبول! وهي خفة في الطرح تصل إلى درجة السخافة!

 ويكثف منتصر تجاوزاته في الفترة الأخيرة إلى حدود تستفز الحليم, فيسخر بخفة مماثلة من تصريح أحد اللاعبين أو المسئولين بـ( نادي الزمالك ) _ عقب الفوز بالكأس _, بأن اللاعبين كانوا يعتادون إقامة مقرأة للقرآن تسبق المباريات الكبيرة, وكالعادة ينحي منتصر كل شىء جانبًا ليسخر من فكرة المقرأة مع أن أحدًا من اللاعبين لم يقل إن المقرأة بديل عن التخطيط والسعي والجهد التدريبي! ولا يرى منتصر  في المشهد السوري المعجون بالعظام واللحم الحي والدماء الطافحة, أية تجاوزات لطغمة بشار وشبيحته الذين سملوا الأعين و بتروا الأطراف بسادية وغل حقود, ولكنه اكتفى بالتهليل لأن وكالات الأنباء العالمية نقلت صورة أو فيديو لامرأة  سورية تحرق النقاب في إحدى الضواحي! ولا مشكلة  لديه بعد ذلك مع المعجنة البشرية التي سحقت عظام الأطفال السوريين!

 ويعاود منتصر تثبيت اللقطة بالسخافة نفسها في مقال حديث له بعنوان: (فاتن لا مؤاخذة حمامة !) ناعيًا على أهالي قرية ترسا ملاحقتهم القضائية للبلدية لتغيير اسم مدرسة إعدادية من لافتة مدرسة فاتن حمامة إلى أي مسمى آخر, ويسخط منتصر من تهليلهم لصدور حكم قضائي لمصلحتهم في هذا الخصوص, مؤكدًا أن ما جرى في قرية ترسا هو جزء من  تسلط الفكر السلفي الوهابي على عقل الريف المصري!  حيث أصبح المزاج المصري كارهًا للفن! ولم يتوقف منتصر ليسأل نفسه حول منطق الريفي في قرية ترسا في الموقف برمته, وعما إذا كان الرفض هنا لاسم اللافتة يمكن بالفرض النظري أن يكون احتجاجًا شعبيًا على الحركة الفنية في مصر بعد أن رقصت في كل المنعطفات لكرباج الحاكم وروجت لمشروعاته حتى و إن كانت نازية! وسخرت من الإرادة الشعبية وعناصر الهوية بمنطق منقاد وظيفي لا يعرف معنى الكرامة أو الحياد فكانت في أكثر محطاتها بوقاً لنزوات الحاكم حتى وإن أحرق الأرض تحت أقدامنا! وكان على منتصر أن يخجل من مقالته وعنوانها الطافح بالدلالة (الجنسية) المبتذلة, حين قال أحد الفلاحين في القرية: كنت أفضل أن تكون اللافتة باسم شهيد .. وهو منطق شعبي لا يخلو من الوجاهة فماذا لو وضع اسم عبد العاطي صائد الدبابات أو سعد الدين الشاذلي أو سليمان خاطر ؟! وما الجريمة هنا في منطق الأهالي ؟! و بأي سند ليبرالي نتحدى إرادة الجماهير الشعبية بهذه  الغطرسة والتلامة ؟!

 وكان الموقف الأسخف مقالة منتصر الأحدث  بعنوان: يا (رب انصر الحجاب على البكيني!) حيث سخر من الفريق النسائي المصري للكرة الشاطئية في بعثة( ريو دي جانيرو) لمجرد أن بالفريق المصري امرأة( محجبة ) _ و هذه لديه بطبيعة الحال نهاية العالم! ومضى الرجل بغل عنصري  عجيب مستثمرًا المساحة المتاحة في السخرية من (المصرية المحجبة) التي خذلتنا أمام الفريق الألماني وكأنها وحدها سبب الهزيمة ! و مؤكدًا أن ما حدث هو جزء من (الهوس الجنسي) و (العصاب الديني) ! ومتباكيًا يمضي في نهاية المقالة ليقول عن اللاعبة (المحجبة): ( ..معذورة لأنها ضحية ثقافة تختزلها في مجرد عورة ! ..) و لم نسمع لفارس الليبرالية الهمام كلمة واحدة عن صدور قرار تزامن مع هزيمة الفريق المصري بمنع مقالات زميله في صحيفة  الوطن  د. عمار علي حسن وإيقافها على خلفية مواقفه السياسية و لم يؤازر منتصر  زميله الممنوع في صحيفة  الوطن بربع كلمة ! ! مع الفكرة الإسلامية نزأر بقوة عشرة أسود و مع تجاوزات السلطة في حق الأقلام نصطنع النعاس و النوم !! متى يفهم هؤلاء أن اللعبة الليبرالية في مصر انكشفت بطريقة مفضوحة أوشكت أن تطوح حتى بورقة التوت  ؟!

 أما مقالته الأحدث بعنوان:(من القاتل الحقيقي للشيخ علي جمعة ؟) فكانت استعداء هستيريًا لكل من تشتم منه رائحة ولاء للثقافة الإسلامية, مستخدمًا ألفاظًا وتعبيرات فاقدة لأي عمق أو اتزان من قبيل: أعداء الحياة الإنسانية و برابرة العالم الجدد وتتار العصر الحديث!  ومع إدانتنا الكاملة لمحاولة الاغتيال الإجرامية, فإن تعليقات منتصر على القضية لم تكن أكثر من ذريعة لضرب التيار الذي يبغضه وفلق رأسه نصفين بلا أي تمييز بين غلاة و معتدلين !

 عاودت مجددًا قراءة كتب الرجل, خصوصًا كتابه: (دفاعًا عن العقل), و الذي فاز عنه بجائزة البحرين لحرية الصحافة (عام 2010), فلم أجد إلا ضجيجًا موتورًا لا صلة له بالعلم أو بالتنوير. و لم أجد في الجوهر إلا فاشية منتفخة تتربص باتجاه وحيد وتبتر كل حبالها وخيوطها مع اللحظة المصرية المأزومة الحاضرة التي تتصدرها محنة الحريات السياسية, والتي لم يقل فيها منتصر كلمة واحدة إلا من داخل عباءة السلطة و تبشيرًا بمشروعها !

 قال أحد نشطاء الفيس بوك _ تعقيبًا على مقالات خالد منتصر الأخيرة ( ضيع حياته بين الحاء و الخاء ! ..) ( أي الحجاب و الختان !), وتأسيسًا على فكرة الناشط ( الفيسبوكي) المشار إليه أقول للدكتور خالد منتصر, ادخل بقلمك إلى مساحة حروف أخرى في القاموس بدلًا من الحاء و الخاء _ كالدال (الديمقراطية السياسية ) والعين (العدالة الاجتماعية) والتاء (التعايش المستنير بين التيارات والأطياف) ! ويؤسفني القول لمنتصر مباشرة:( أنت لم تكتب حرفًا واحدًا مفيدًا لمصر الآن بعد أن ذبحت طاقتك على مقصلة الحاء و الخاء !).

من جريدة المصريون
بتاريخ19 أغسطس 2016

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق