منطق الرئاسة وتجديد الخطاب الديني
كالعادة أثار الخطاب الرئاسي _ على هامش احتفالية ليلة القدر _ جدلا ً واسعا ً و لغطا ً كبيرا ً فيما يتصل بالجوانب الشكلية و المضمونية من الخطاب . و كالعادة الأثيرة تطرق الخطاب إلى مساحة بالغة الحساسية في الوجدان المصري , تتصل بالإسلام , فكرا ً و نصا ً و تشريعا ً , بحضور شيخ الأزهر و حشد من رموز الأزهر و أيقوناته بكامل الزي الأزهري المميز . و لم يلبث الخطاب أن استنفر _ عقب انتهائه _ حشدا ً من التعليقات على ( الفيسبوك ) ( الإعلام البديل الذي لم ينجح أحد في إيقافه حتى الآن ! ) و تراوحت مواقف التعقيب بين الصدمة و الذهول و الغضب فضلا ً عن مساحة محدودة من التأييد خافت الصوت !
كان الكلام المتلو من الورقة _ في مجمله _ دائرا ً في الإطار النمطي , لكن دوائر التفاعل الدرامي الملتهبة بدأت حين تجاوز الخطاب الورقة المكتوبة و بدأ التخاطب من الذاكرة وفقا ً للأسلوب الشفاهي المتدفق شبه العفوي , هنا أوغل الكلام في رقعة بالغة الحساسية و الخطورة , تتعلق بفكرة ( حذف النصوص ) و التخلص منها صراحة ! و بقطع النظر عن ملابسات الخطاب و تفاصيله , يبرز سؤال جوهري في هذا الصدد : هل يعني ( تجديد الخطاب ) _ وفقا ً للمفهوم الرئاسي _ التخلص من ( الخطاب ذاته ) أو من جزء منه ؟! أم أن التجديد المعني يتعلق بحداثة الرؤية و التفسير و تنشيط الآليات التأويلية في بعض المناطق ؟! فضلا ً عن ربط السجال الفكري في مجمله بالقضايا المعاصرة و حصار دوائر الغلو أو التزمت بمنطق الخطاب نفسه و لا بأس في هذا الإطار الشامل من التخلص من ( النصوص ) المكذوبة أو المدسوسة متى أثبت علم الحديث _ رواية و دراية _ ما ينسب إليها من الدس و الكذب ؟! و هل يفترض أن يتصدى لذلك الجميع أم من يملك العدة و الأداة ؟!
لم تكن الديباجة الاستهلالية في الخطاب ( فكرية ) بوجه عام لكنها كانت _ في الجوهر _ ( أمنية ) , و توجهت إلى الجمع الأزهري _ بما يشبه اللهجة الصارمة _ بمطلب حاسم يتصل بضرورة التحلي بجسارة ( حذف النصوص ) و التخلص منها و هو ما بدا بوضوح في قول ( السيسي ) : ( ..لازم نجدد الخطاب و نطوره و نحذف جميع الأحاديث المغلوطة التي تقف مع الإرهاب ..) و فيما أحسب فإن الأزمة ليست في النص و إنما في استقباله و تفسيره فليس ثمة نص صحيح متواتر يمكن أن يساند الإرهاب أو يقف في ظهره داعما ً إلا إذا أسيء تأويله بما يخرجه عن دلالته و حقيقته , هذا مع افتراض تحديد المقصود ب ( الإرهاب ) أو ( الفعل الإرهابي ) من وجهة نظر ( رئاسية ) , فضلا ً عن أن سياق الخطاب الرئاسي فيما اعتدنا في العامين الأخيرين كان سياق ( إدانة ) مستمرة للحالة الإسلامية في مجملها , بل للدول الإسلامية في مجموعها , و كان لافتا ً للنظر _ هذا العام _ نسبة ( العوار ) بوضوح إلى ما يناهز الخمسين دولة إسلامية , رآها الخطاب الرئاسي مشمولة بحالة ( العوار ) ! و هذا بالقطع تعميم غير صحيح منبت الصلة بالواقع الميداني فلم يكن تجديد المفكر الاقتصادي الكبير ( محمد يونس ) في ( بنجلاديش ) , عملا ً فاشلا ً أو مشوبا ً بالاعتوار , خصوصا ً تجربة إنشاء بنك ( جرامين ) لإقراض الفقراء قروضا ً صغيرة و هي التجربة المبهرة التي استحقت _ عن جدارة _ حصول صاحبها على جائزة ( نوبل ) عام 2006 . و ليت مصر الراهنة تستلهم تجربة ( يونس ) أو تطورها لتتنفس الطبقتان : المتوسطة و الدنيا , بدلا ً من سحق عظام الفقراء في الخلاط كما يحدث الآن !
و هنا نقول للخطاب الرئاسي بوضوح تام , لم يكن كل العالم الإسلامي فاشلا ً أو مشوبا ً بالعوار , و لم يتورط العالم الإسلامي كله في القمع و إماتة السياسة و إجهاض أحلام النابهين و العلماء ( و طلاب الثانوية العامة ! ) و الغرق في المديونيات , و تدهور الوضع الاقتصادي و الحالة المعيشية و تراجع الأدوار الإقليمية و الدولية إلى ما يدنو من حدود ( التقازم ) !
تجديد الخطاب الديني حالة مستمرة منذ ظهر الإسلام , و هي مؤصلة بقول النبي ( صلى الله عليه و سلم ) : ( إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها دينها ) ( أبو داود في السنن / كتاب الملاحم ) , و هنا تألق الاجتهاد الجزئي و الكلي و المطلق و المقيد و المنشيء و المنتقي , وفق تفصيل تكفلت ببيانه كتب الفقه . و من ثم كانت منظومة التجديد متغلغلة في صميم الفكر الإسلامي الحديث ممثلا ً في كتب محمد عبده و الأفغاني و محمد أبو زهرة و محمود شلتوت و المراغي و نظرائهم من طبقة المفكرين الكبار . و لم يكن التجديد معناه إزاحة النصوص المتواترة الصحيحة _ بطريق الحذف _ من الطريق فهذا يعني بوضوح حلحلة الولاءات و تمييع الضمير الديني لا أكثر ! ليتنا نجدد بالفعل بإحياء الملفات الحقوقية و رد الاعتبار للسياسة و توقير العلماء و النابهين و تنشيط الملفات الإنمائية . فلم تكن حاجتنا للتوازن مقصورة على التوازن بين ( الاتباع ) و ( الفكر ) كما قال الخطاب , و إنما التوازن بين ( المدني ) و ( العسكري ) , و التوازن بين ( الضرورة الأمنية ) و ( الحريات ) . و التوازن بين تماسك الدولة و إطلاق المبادرات الابتكارية الفردية التي سحقها نفير الصوت الواحد ! أهلا ً بتجديد الخطاب الديني شريطة أن يؤازره ( تجديد الخطاب الرئاسي ) بصورة جذرية تلائم المرحلة و تنقذ الأوضاع الراهنة من مزيد من الانهيار !
من جريدة المصريون
بتاريخ01 يوليه 2016
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق