بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
بعد حصوله على جائزة الدولة التشجيعية، قامت جريدة السياسة الكويتية بإجراء حوار مع الدكتور حسام عقل..
تم نشر الحوار في شهر يوليو 2010
هنا نص الحوار كاملاً
================================
بعد أن نال جائزة الدولة التشجيعية | |
الناقد حسام عقل: ثقافتنا تعاني أزمة لوقوعها بين التغريب والماضي
اتحاد كتاب مصر أصيب بالشيخوخة وابتعد عن دوره الثقافي طبيعة الخطاب العربي طغى عليها مصطلح تجميل الصورة
القاهرة - محمد محروس:
يعتبر واحدا من المثقفين العرب الذين عانوا من مرارة التهميش المتعمد والتجاهل الإعلامي.. عندما تبنى قيادة تيار جديد يسعى للمزاوجة بين الثقافة والدين, فنشاطه كداعية لا يقل كثيرًا عن عمله كناقدٍ للشعر في ظاهرة أشبه بالعلماء الموسوعيين إبان فترة ازدهار الحضارة الإسلامية, أخيرا حصد جائزة الدولة التشجيعية في التحليل الاسلوبي للشعر عن كتابه "مخاضات الخطاب الشعري المعاصر".. الدكتور حسام عقل, أستاذ الأدب والنقد والبلاغة بجامعة عين شمس التقته "السياسة" في حوار عن أسباب فوزه بهذه الجائزة..ورؤيته للمشهد الثقافي العربي وهذا نص الحوار:
هل توقعت فوزك بجائزة الدولة التشجيعية في هذا التوقيت وعن هذا العمل بالذات?
نعم توقعت الفوز بهذه الجائزة في هذه الفترة بالذات, لأن الكتاب الذي تقدمت به من أكثر الكتب النقدية التي بذلت فيها جهدًا من حيث ضخامة المسح النقدي, وكذلك العمليات التحليلية للتجارب الشعرية فيه.
ماذا تمثل الجائزة بالنسبة لك ولجيلك?.
الجائزة مجموعة من القيم أولها ما يخص جيلي عموماً, باعتبارها تجسد اعترافًا ميدانيًا بهذا الجيل وبقدرته على العطاء والتواصل, أما على المستوى الشخصي فتعد "التشجيعية" اعترافًا بجهدي النقدي الذي امتد لست سنوات تابعت خلالها التجارب الأدبية في الحواضر والأقاليم وسائر الربوع, علاوة على العديد من الأقطار العربية ولاسيما الأردن.
هل هناك أجيال مظلومة في الحياة الأدبية والشعرية?
اعترف بأن هناك أجيالاً ظلمت من قبل "الاعلام" أو المؤسسة الثقافية ولجان التحكيم, وهناك أفراد من جيلي تعرضوا بالفعل للظلم والتجاهل الإعلامي.
نعاني في الوطن العربي من غياب الناقد الراصد للحقائق التاريخية أو الأدبية بحياد تام دون إسقاطات من ذاته.. فهل تتفق في هذا?.
لا شك أن تاريخنا الأدبي الحديث لم يُرصد حتى الآن بالحيدة الواجبة وسبب ذلك أن من يتصدون لتأريخ المشهد الأدبـــــي يحكمهم فــــي الأعم نزعات ذاتية تنــــأى بهم عـــن الموضوعية اللازمـــة, فـــــلا عجب أن يتجاهل التاريخ تيــــارات وأسماء بعينها أسٌقط عليها ستارًا من أيديولوجية النقاد الخاصة دون أن يتحلوا بالحيدة الواجبة أو الأمانة الضرورية.
هل الثقافة العربية تعاني من أزمة حاليا?
الثقافة العربية تواجه أزمة حقيقية سببها في تقديرى تياران يتنازعان المشهد الفكري أولهما يتعلق بالماضي وحده ولا يرى في الحاضر عطاءً ولا منجزًا ولا أملاً, أما الآخر والذي لا يقل خطورة, فيتمثل في تيار التغريب الذي يسعى لإلحاق الثقافة العربية بقاطرة المشروع الفرانكفوني أو الأنجلو أميركي من دون تبصر بخطورة ذلك.
لمسنا في العقود الأخيرة تزايدًا كبيرًا في أعداد المدارس الأجنبية في مصر.. فهل لهذه المدارس علاقة بتيار التغريب?,
المدارس الأجنبية هي رسالة تحذيرية من سيطرة تيار "التغريب" وهيمنته على "الاعلام", وكذلك بعض قطاعات النشاط التعليمي, ويتجسد التأثير الضار لهذه المدارس فيما يصيب اللغة العربية نفسها من ضعف على ألسنة أبنائها, ومـــــا يعتري فكرة العروبـــة مـــن ضربات مجهضة, وما يصيب فكرة الاستقلال الوطني نفسها من إيذاء مماثل , ومن هنا فإن خطر التيار التغريبي متشعب الجذور ومتعدد الأوجه والمظاهر.
بعد أحداث 11 من سبتمبر سارعنا بتغيير الخطاب على حساب هويتنا الثقافية لكي نرضي الغرب..فما تعليقك?.
من ينظر إلى طبيعة الخطاب العربي سيلاحظ أنه طغى عليه في العقود الثلاثة الأخيرة مصطلح تجميل الصورة أو تحسينها, وهذا المصطلح المضلل الذي يتظاهر بتحسين صورتنا أمام الغرب بمؤسساته وإعلامه يفترض ضمنًا أننا مدانون ابتداءً وعلينا تبرير هذه الإدانة, والتماس الأسباب لها, ولا أرى وجهًا للإدانة لأن الأوطان العربية والإسلامية معتدى عليها وليست معتدية, ويكفي أن نسوق ما يحدث في أفغانستان والعراق وما يرتكبه الكيان الصهوني مدعومًا بالإدارة الأميركية من ظلم سادي بشع يمارس ليل نهار ضد أشقائنا وأهلنا في الضفة الغربية وغزة بالخصوص فمن المعتدي عليه?, ومن الذي يتعين عليه تجميل صورته?.
بعض الشعراء في مصر يشتكون من سيطرة تيارات بعينها على الساحة الأدبية.. فهل هم محقون في شكواهم?
المشهد الشعري في مصر يحوي تنوعًا كبيرًا وخلاقًا في التيارات والأطياف وهذا يغذي الحياة الشعرية بالخصب والنماء, لكن المشكلة تكمن في أن تيارات بعينها قد سيطرت على بعض اللجان والمؤسسات ومنابر الصحافة فبادرت إلى حجب التيارات الأخرى وتطويقها وحصرها في عمل وصائي أراه منافيا للحيدة والأمانة الواجبة.
في ظل عجز العرب عن تحقيق الوحدة الاقتصادية والسياسية فهل ترى بوجوبية تحقيق الوحدة الثقافية?
لابد من أن تنهض الوحدة الثقافية العربية على طائفة من القوائم المشتركة يتواطؤ عليها الحكومات العربية مجتمعة كقيمة اللغة العربية والتصالح مع ميراث الحضارة الإسلاميــــة الزاهيــــة بما يتآلف فيها من قيـــــم الشورى والكفـــــالة والعدالة الاجتماعية, فـــإذا انطلقت وحدة الثقافة العربية مــــن هــــذه المنطلقات فإن هذا يضمن لها القوة والاستمرار والنماء.
ما دور رأس المال في تمويل المشروعات والأنشطة الثقافية?,
لقد كان لرأس المال العربي الخاص دائمًا دورًا تنويريًا وثقافيًا مرموقًا حتى إبان مصر الملكية, حيث كانت كل مرافق المجتمع المدني وقتها بأموال الواقفين من خلال ما يسمي بـ "ثقافة الوقف" القائمة على مبادرات رأس المال الخاص في العمل الخدمي الأهلي بعيدًا عن التعقيدات الإدارية التي تصاحب عمل الحكومات والعراقيل البيروقراطية التي تستوطن أجهزة الدولة استيطانًا مزمنًا, وخير دليل على ذلك أن الجمعية الجغرافية الملكية - جهة بحثية مرموقة - كان ينفق عليها مــــن وقف راتـــب بــاشا في محافظة "الفيوم", بشمال الصعيد, بل إن مؤسسات مهمة كمستشفى المواساة وحتــــى جامعة القاهرة أقيمت بأموال الواقفين ومبادرات رأس المال الخاص ولا يزال هذا العرف ساريا حتى الآن.
لك نشاط ملموس على الصعيدين الأدبي والدعوي..فأي النشاطين يطغى على الآخر?
منذ البداية توخيت "التوازن" بين الجهد النقدي وكثافته وعمقه بما يقتضيه من المواكبة والإلمام بمدارس النقد المعاصرة, لكنني في الوقت ذاته اعتبرت نفسي صاحب مشروع فكري يتكئ على ميراث الحضارة الإسلامية, ونشر تعاليمها الرفيعة ومن هنا تداخل لدي خيطان, أولهما الناقد المتجرد والثاني الداعية الذي يبشر بمشروع حضاري يرى فيه خلاص أمته.
شهدت الفترة الأخيرة علو أصوات منكري السنة والقرآنيين.. ترى ما أسباب ذيوعها وانتشارها في الكثير من الفضائيات?
الإعلام بأشكاله المختلفة سواء الحكومية ذات الصلة بالدولة أم المستقلة الممثلة في الفضائيات أفردت مساحة كبيرة لهذه التيارات الشاردة على محدوديتها وضحالة فكرها, ومن ثم فكل منكر لثابت من الثوابت تفرد له مساحات إعلامية كبيرة, ناهيك عما ينشر له من مساحات في الشبكة العنكبوتية, وقد أتيحت لي مناظرة القرآنيين في أكثر من فضائية, فلم أجد لهم فكرًا عميقًا ولا علمًا صحيحًا ولا لغة مهذبة تغري بأن نحاورهم حوارًا راقيًا ويسقط ذلك على تيارات أخرى بدأت تتغلغل في "الاعلام" كالقاديانيين والملاحدة.
هل أصبحت الإساءة للأديان أقصر الطرق للشهرة والتكريم?
في المراحل السابقة لاحظنا أن الدول العربية التقمت الطعم فبادرت إلى تكريم الباحثين عن الشهرة بتشويه الأديان السماوية والإساءة لرموزها, ولكن في الفترة الأخيرة بدأت الحكومات العربية تعي خطورة هذه التيارات, وكشفت وسيلتهم المفضوحة لارتقاء الشهرة بالتجديف وتجريح الرموز الدينية, مما جعل الجوائز العربية تستعيد في الفترة الأخيرة شيئًا من مصداقيتها وتولي عناية كبيرة بالعمق الفكري وحجم الجهد الفكري المبذول.
ما أسباب هذا التغيير?.
أرد هذا التغيير إلى بروز عدد وافر من رموز الاعتدال الذين يسعون إلى الإفادة من المنجز الغربي من دون التنكر لعناصر الهوية وقد بدأ هذا التيار يستعيد شيئًا فشيئًا من عدالة الميزان, وهو ما نبه بالتبعية العرب ومنابرهم الإعلامية إلى خطورة اللعبة التي يمارسها التغريبيون أو التي تتبناها تيارات مسمومة سعيًا لخلخلة الأرض التي تقف عليها الأمة وتقويض قوائم الهوية الرئيسية.
أخيرا ما تقييمك الأداء الحالي لاتحاد كتاب مصر?
اتحاد الكتاب الحالي يعتمد في نشاطاته على المظهرية الشكلية والدعائية دون النظر إلى عمق النشاط الفكري أو مردوده, حيث سقط أسيرًا للغة التصويت الانتخابي والقدرة على حشد الأصوات, وزهِد عن دوره الثقافي التنويرى الضروري, ومن هنا نرى أن الاتحاد مشلولاً وعاجزاً عن اكتشاف رمز أو موهبة, بل إن عجزه تأكد في جانب آخر شديد الافتضاح, ألا وهو عدم قدرته على علاج أعضائه المرضى, وسقط في الفترة الأخيرة عدد منهم, بدءًا من الراحل على شوك ومروراً بوليد منير وعفيفي مطر وغيرهم كثيرون ممن لم يساعدهم اتحاد الكتاب في أزماتهم الصحية, كما أرى أن شروط العضوية تفتقر إلى الأساس المنطقي, فهناك أسماء كبيرة رفُضت عضويتها بسبب الأحقاد والمواقف القديمة, فيما شاخت أسماء بذاتها في مواقعها بالاتحاد, رغم افتقارها إلى الدور ومبرر الوجود, كما أن لوائح الاتحاد تحتاج إلى تغيير جذري يضمن تحقيقها لدور حيوي, وبعث الحياة في قاعاته المريضة التي تكدست فيها تراكمات الشيخوخة والعقم.
================================
المصدر: جريدة السياسة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق