فخ سيناء .. كرة النار القادمة!
فخ سيناء .. كرة النار القادمة!
في جريدة المصريون | الثلاثاء, 04 نوفمبر 2014
لا جدال أن تداعيات الأحداث في (سيناء) علي النحو الدرامي المرعب الذي مضت به سيناريوهات الانفجار تفتح باباً واسعاً للتأمل الجاد المتعقل في راهن الملف السيناوي ومآلاته. وقد تقاطعت في مخيلتي صورتان كفيلتان بتصدير القلق (المشروع)، للمرة الأولي، بشأن تماسك الحالة الداخلية المصرية إجمالاً ، والمدي الذي يمكن أن تصل إليه تلك الحالة ، في خضم مخاطر التفكيك ( طاعون المنطقة الآن ! ) وشبح الانقسام الذي يشطر كل شيء طولاً وعرضاً ، إذا ما استمر التأزم السياسي بهذا الاستحكام ، وحسمت القوي الاستعمارية ، في الوقت نفسه ، وجهتها بأن يكون الملف السيناوي مفتاحاً للدفع بالوضع المصري المحتقن والمتأزم إلي حالة ( الاستدراج ) الشامل ، الذي خطط له الاستراتيجيون جيداً في ( واشنطن ) و( تل أبيب ) ، فيما أحسب ، بنسق شبه نموذجي ، بحيث تكون سيناء شرارة الاستدراج الأولي ! > أما الصورة الأولي فهي حرب ( طروادية ) عنيفة قادها الكاتب الصحفي ( سليمان جودة ) بقلمه هاتفاً بحتمية ( التدمير ) للمسطح الحدودي السيناوي حماية للدولة ، فيما يري ، دون أن يدري ( أو لعله يدري ! ) أن اقتلاع المدن هو ، في مسارات التاريخ المعاصر يمثل، أردأ أنواع العنف العرقي ، الذي من شأنه أن يصدر قنابل الأقليات علي النحو الذي نشهده في ( المسألة الكردية ) ، مثالاً لا حصراً ، وهذا الطريق الذي يدفعنا إليه البعض دفعاً ، دون تبصر بعواقبه ، قد يباغتنا باستدعاء شيطان قبيح لم تعرفه مصر يوماً ، أعني شيطان ( استفتاءات الانفصال ) و( الحكم الذاتي ) ! ويقودني هذا إلي الصورة الثانية حيث رأيت ، بعيني رأسي ، ناشطاً سيناوياً عبر شاشة فضائية ، في أعقاب تسريب ( فيديوهات التعذيب ) والكلام الزائد عن ( التهجير ) ، يجز علي أسنانه غاضباً ، ويقول بنبرة ذات مغزي : " لا تنسوا الملاحق الأمنية لكامب ديفيد ، حيث ستتمسك إسرائيل بها لتدفع بالمجتمع الدولي إلي إخلاء سيناء من كل القوات وبقاء جنود الأمم المتحدة وحدهم ، ثم عرض الأزمة برمتها علي المواطنين السيناويين بنهج الاستفتاءات الذي دأبت عليه الأمم المتحدة في مثل هذه الأحوال ، .. وهنا لكل حادثة حديث ! " وقد أحسست في وعيده وعبارته التهديدية الأخيرة التي ضغطها بأسنانه بتحد واضح : " لكل حادثة حديث .." قراراً خطيراً يختمر في ضمائر شريحة من السيناويين ، مع استحكام القهر وتراكم ممارسات الحرمان من الإعمار والوظائف في الجهات الحساسة والسيادية عبر عقود ، ، ثم هذا الختام الأمني المرعب الذي لم يتوقعه أحد للمشهد برمته . وهو ختام حسمته تروس السلاح وحدها ، بما فاق أكثر التوقعات تشاؤماً . وقد بدأ استدراج المشهد المصري إلي عتبة التآكل الداخلي الكامل ، فيما أري ، بطريقة إمبريالية مبتكرة ، حين أمكن شق أخدود هائل طافح بالدماء بين المؤسسة العسكرية والتيارات الإسلامية ، وهما القسيمان الكبيران في المشهد ، لتبدأ عمليات الإنهاك الداخلي علي أشدها ، ثم كان تحريك الأزمة ، في المرحلة اللاحقة ، إلي الشريط السيناوي، و هو حلم داعب الاستعمار من قديم طويلاً ، وانتظرته غرف التخطيط الاستعماري بشوق جارف عقوداً، إذ لم تسلم أدبيات الفكر الاستعماري يوماً ب ( مصرية ) سيناء ، ولا يتعين أن ننسي هنا كتابات ( لوران ) ، في مطالع القرن الماضي ، حين طرح سؤاله الشهير : "هل ( سيناء ) إفريقية أم آسيوية ؟!" مؤكداً أن سيناء هي الإكمال الجيولوجي والجغرافي الطبيعي لشبه الجزيرة العربية ، بالنظر إلي تلاحمها القدري باليابس الآسيوي! وهو ما رد عليه المفكر الكبير ( جمال حمدان ) وفنده بتحليلات مطولة في موسوعته : ( شخصية مصر ) محذراً من أن الاستعمار هنا لا يباشر رياضة التأمل، و إنما يخطط لسيناء، و من ثم لمجمل المسطح المصري، شيئاً كبيراً لا حد لخطورته ، مهيباً بالدولة أن تلعب دور ( المذيب ) - وفقاً لتعبيره - علي معني إذابة سيناء في الكيان المصري ، بأسرع وقت . ورحل ( حمدان ) بتحذيراته الملتاعة كمداً دون أدني تجاوب ! وهنا يحق لي، باعتباري مصرياً يتفطر قلبه مزقاً علي المآلات الكابوسية لملف سيناء ، أن أسأل صانع القرار في مصر في هذه اللحظة: هل درسنا جيداً خطط ( اللاعب الإسرائيلي ) ومناوراته المضمرة والمعلنة بإزاء الملف السيناوي؟! وهل تابعنا التحليلات الخطيرة التي كتبها مؤخراً المحلل الإسرائيلي الشهير ( إهود يعاري ) زميل ( ليفر) الدولي في معهد واشنطن، ومعلق شؤون الشرق الأوسط في القناة الثانية ب ( التليفزيون الإسرائيلي ) ، وهي تحليلات ملأ بها صحافة العالم مهيئاً الأذهان لقبول (التصور الإسرائيلي) لملف سيناء؟! موعدنا مع هذه التحليلات التي تعكس الرؤية الإسرائيلية تفصيلاً في المقال القادم بإذن الله . اللهم سلم!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق