سينما السبكي ..مؤامرة إماتة الضمائر!
سينما السبكي ..مؤامرة إماتة الضمائر !
في جريدة المصريون |الثلاثاء, 21 أكتوير 2014
تحدث جمع من المراقبين عن ( تسييس القضاء ) في مصر ، أو ( تسييس الشرطة ) أو تسييس كثير من المؤسسات والمرافق انقيادا للرؤية الأمنية للإدارة المصرية الحالية أو دوراناً مع الخيار الأمني ، الذي يتحرك الآن بما يشبه نظرية ( فائض القوة ) ، علي نحو جعل الرأي المعارض مخاطرة باهظة الكلفة ، وجعل من نقد المرحلة ، أياً ما كانت النبرة جهراً وخفوتاً ، محلاً للاستهداف بالتخوين الوطني والعمالة للخارج ، مع جهوزية ملحوظة لفيالق التشهير المتأهبة بشحذ السكاكين والشفرات في مدينة الإنتاج الإعلامي . وقد تحولت إلي شبه خلية سياسية مناوئة للمعارضين لها هدف وحيد تقريباً يدور مع رغبات الإدارة المصرية وتوجهاتها ، عداء وصداقة ، سواء أحدث ذلك بإيعاز من السلطة أو بتطوع متملق من هذه المؤسسات ! ولم يفطن كثيرون إلي تسرب محاولات مماثلة من هذا القبيل إلي ( الخطاب السينمائي ) المصري الحالي الذي يرعاه ( آل السبكي ) ، باحتضان كامل ، ويقوده بنشاط فائق مخرجون كان التسييس والحضور الإعلامي الطاغي وسيلتهم لفرض أسمائهم ، أقول التسييس والحضور الإعلامي وليس الموهبة والجهد أو أصالة التجربة . وربما كان المخرج ( خالد يوسف ) أبرز الأمثلة . وقد جمعتني ب ( خالد يوسف ) ندوة ، قبل عام مضي ، ونقدت تجربته السينمائية ونحن نتشارك في منصة واحدة ، وقلت ما مؤداه إن خالد يوسف يوظف عمليات التخويف الإيديولوجي والاستعداء الأمني ضد خصومه من النقاد والمفكرين حين ينعون علي تجربته إغراقها في الجنس المجاني ، في غير ضرورة فنية ، فيبادر خالد من جهته إلي حصارهم سريعاً بتهمة الأصولية والتطرف لإسكاتهم والحيلولة بين تجربته وبين المساءلة النقدية الجادة. > وهو مانجح فيه حتي الآن مع تغلغل الاستقطاب واستحكام بوادر الفاشية الفكرية ، التي تعد ولائم مرعبة لالتهام المخالفين والمعارضين. وأتذكر أن خالد يوسف غضب من رؤيتي واستقبل ملاحظاتي بكمد ملحوظ ، وإن حاول مصافحتي فيما بعد بابتسامة مفتعلة . وليس بعيداً عن الإطار ذاته ، ما لاحظته مؤخراً من أن سينما السبكي ، يظاهرها حشد من التجارب الشبيهة في السينما والدراما المصرية ، تتعمد ، بقصدية وإصرار ملحوظين ، سكب جرعات هائلة ( مقصودة ) من مشاهد العنف السادي أو استفزاز المشاهدين بالمبالغة في تصوير النهود والسيقان وتجسيد المواخير وعلب الليل ، فضلاً عن التركيز علي الشرائح الشاردة من حركة المجتمع المصري ك ( الملحدين ) و( المازوخيين ) ( أي الذين يتلذذون جنسياً بتقبل العذاب والألم ). ويكفي هنا فقط أن نراجع ( برومو ) الأفلام التي تدفقت في عيد الأضحي الفائت حيث تتطاير المطاوي والجنازير ، وتنغمس المخالب والأكف في برك الدماء بغوغائية غير مسبوقة ، وتتمزق أنسجة اللحم الحي ، وتلتحم السيقان في مشاهد ( بورنو ) صريح صاعقة وصادمة ! أفهم أن ثمة عيوباً واكبت السينما المصرية ، منذ بداياتها المبكرة ، خصوصاً إذا راجعنا الفترة التي تلت ظهور فيلم ( ليلي ) للممثلة ( عزيزة أمير ) في سينما ( ميتروبول ) عام ١٩٢٧ ، وأفهم أن ( رأس المال ) الساعي إلي الربح قد تلقف المنظومة السينمائية منذ بداياتها ، حتي مع دخول ( طلعت حرب ) وستوديو مصر اللعبة ، وهو ما جعل هاجس الربح السريع ملازماً لهذه السينما ، بما اقتضي أن تظهر قوالب الميلودراما التي تعتمد علي المطاردات والعنف ومناغاة الغرائز ، وأفهم أن التأثر بالسينما الأمريكية كان مهيمناً وشاملاً منذ البداية ، حيث أحصي المؤرخون ٢٦٨٤ فيلماً أمريكياً من جملة ٣٦١٥ فيلماً مستورداً تدفقت إلي مصر في الفترة من ١٩٥٢حتي ١٩٦٣ فقط ! وقد كان خيط العنف في أفلام رعاة البقر التي حاول ( بدر لاما ) استنساخها ، خيطاً قوياً ، جنباً إلي جنب مع خيط ( الإثارة الجنسية ) التي لازمت مشهيات الفيلم الأمريكي ، أفهم ذلك كله ، بيد أن مستوي العنف في مراحل السينما المصرية لم يكن أبداً بهذه الفجاجة والارتجال الغوغائي الذي نعانيه الآن ، كما أن منسوب الجنس لم يكن في أية مرحلة بهذا التدني البذيء المتمرغ في القاع ، علي النحو الذي تطرحه تجربة ( السبكي ) ، فضلاً عن أن ( آل السبكي ) أنفسهم لم يلجأوا أبداً إلي هذا المستوي القياسي من الفجاجة ، عنفاً وجنساً ، منذ غادروا تجربة الجزارة في محلات ( بروتين السبكي ) للحوم بالدقي وانتقلوا إلي النشاط الإنتاجي السينمائي عام ١٩٨٥ ! أتصور أن هذا الفيض من الإنتاج الدرامي والسينمائي الذي يصر علي استفزاز الحس الإسلامي بالخصوص ، بل وإذلاله من خلال تيمات السخرية المتنوعة من شخصية ( المتدين ) دون تمييز ، فضلاً عن تعمد الدفع بمشاهد السادية الدامية ، والجنس الطافح ، أتصور أن هذا الفيض يستهدف ، في حراك المعادلة السياسية الحالية ، أمرين : أولهما الإبراق بمزيد من رسائل الإذلال والمهانة للتيار الإسلامي في العموم ضمن محاولات المنظومة ، بكليتها ، لاستئصاله وإخراجه من المشهد بالتصفية والاقتلاع ليصبح أفراده ورموزه هم ( مجاذيب ) المشهد بامتياز ، وثانيهما خلق نوع من ( القبول الذهني ) لفكرة الاستباحة بتواتر مشاهد العنف الزائد ، وهو إيحاء يمكن استثماره لاحقاً حين تنتقل عمليات الاستباحة من بلاتوهات السينما إلي تجمعات المتظاهرين في الشوارع ، بما تتكرس معه ممارسات المغازلة لبعض أجنحة السلطة التي تؤمن بهذا المنهج ! كان لدينا مدرسة سينمائية راقية رادها ( كمال سليم ) في الأربعينيات ، واستمرت مع تجارب ( توفيق صالح) و( عاطف الطيب ) ورعيل المبدعين الجادين الذين تلقف الراية منهم رجل مثل المخرج الكبير ( هاني اسماعيل ) ، الذي قامت بيني وبينه مناقشات طويلة حول أوضاع السينما والدراما ، ولكن ليس مطلوباً الآن من قبل المنظومة القائمة مدرسة هؤلاء ولا فكرهم ، المطلوب الآن بإلحاح هو نهج ( السبكي ) تحديداً ، وإلا فدلوني ما مغزي أن يظهر الممثل ( تامر عبد المنعم ) ، بشخصية الضابط ، في أحد المشاهد السادية وهو يعتصر العضو الذكري للسجين فيصرخ هذا الأخير بهلع ، وما نوع الرسالة التي يجري تصديرها بما يتجاوز الإلحاح ؟!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق