14‏/06‏/2016

رمضانهم ( الكيوت ) : اللادينيون يعربدون و السلطة تناور ..!


في جريدة  المصريون



هكذا أطلق ( المايسترو ) الخفي _ بعصاه _ إشارة البدء , فانطلق العازفون , وفق نوتة موسيقية موحدة سابقة التجهيز , يحركون أصابعهم على الأوتار _ بطريقة معلبة محفوظة لهم جميعا ً _ و تزامنت المعزوفة مع بدء شهر رمضان ( العزيز على القلوب بمظلته الروحية الدمثة ) . دارت , من ثم , المعزوفة / النشاز التي تزامنت مع استهلال الشهر و بدء حملة في حي ( العجوزة ) لإزالة ( الإشغالات ) _ فيما أكد رئيس الحي _ و استهدفت المعزوفة / الإعلامية ( الفيسبوكية ) , بوضوح شديد , اغتيال رمزية الشهر و ضرب هيبته الروحية المتوطنة في القلوب !  و تطاير الكلام حول ( فتاوى القرون الوسطى ) و ( حملة الأمر بالمعروف ) الجديدة و حق ( اللا دينيين ) في المجاهرة بالفطر في شوارع القاهرة , مع أن أصحاب المعزوفة أنفسهم لم يهمسوا بكلمة بشأن ( سجناء الرأي ) مثلا ً أو قضية ( مالك عدلي ) و رفاقه _ و يحصون بالألوف ! _ أو موت السياسة أو قانون التظاهر أو تعطيل الصحف و إغلاق منابر الرأي أو قصف أقلام أو عربدة الأمناء , فضلا ً عن محاكمة نقيب الصحفيين ذاته ! فكل هذه القضايا المتصلة ب ( الحريات المدنية ) لم تثر فيهم شهية العزف , و و لم تحرك في أوتارهم الموجهة المتبلدة ربع نغمة !  و برغم من اعتراف رئيس حي العجوزة للإعلام , صراحة , بأن الحملة هي _ في الجوهر _ حملة ( إشغالات ) روتينية على المقاهي المخالفة , و ليست لها أية أبعاد دينية , و لا علاقة لها بالصائمين و المفطرين , فإن أصحاب المعزوفة المتحشرجة ( الممنهجة ) , مضوا في عملية عقر و عض و خربشة عنيفة لرئيس الحي وفي الوقت نفسه  ل ( الشهر ) الطويل ثقيل الظل الذي تسبب في الحيلولة بين ( الخرمانين ) المساكين و سجائرهم العزيزة في نهار رمضان و في قلب ميادين قاهرة المعز , التي ضنت عليهم بنوبات التدخين و حصصه المعتادة .  ومن ثم فجر شهر القرآن للمرة الأولى في تاريخ مصر أزمة حريات ! و ظل السؤال قائما ً طوال فصول المشهد الدرامي برمته : ماذا تعني كلمة ( الحريات ) في ضمير هؤلاء ؟ و هل هناك وجود ميداني جاد لأية ( ليبرالية ) مصرية في الوقت الراهن بوضوح شديد  ؟ و لماذا دأبت جوقة التنوير الديكوري على مهاجمة الرمز الديني و الشعيرة _ بغوغائية لا تمت للأخلاق بصلة _ فيما تعترف الأمم المتمدينة المعاصرة في العالم كله بما يسمى _ إعلاميا ً و دستوريا ً _ consideration بمعنى ( مراعاة المشاعر العامة ) أو احترام الشعيرة الدينية الخاصة بالشعوب بلباقة ؟! إنها اللباقة التي يفتقر هؤلاء العازفون ( الموجهون ) إلى ظلها بوضوح ! و لماذا حرف العازفون مسارهم المستهدف , فبادروا لاستباحة الشعيرة و الفكرة , بدلا ً من توجيه النقد أو حتى العتب المهذب لسلطة استقر في ضمائرهم أنها تغولت أو زايدت دينيا ً أو اغتالت الحق الشخصي  ومن ثم اختاروا مجددا ً البطولة الكرتونية في معركة مجانية بلا ثمن بعيدا ً عن أنياب السلطة و مخالبها المؤذية ؟ !  رأيت روائيا ً صديقا ً يشارك في حملة العزف و المزايدة , مؤكدا ً أن المشهد الأخير , هو امتداد للمشهد الأول حيث انتشرت الفكرة بالسيف منذ البداية ! ثم لم يلبث أن أضاف : ( ..مصر موش دولة إسلامية و المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان موش جريمة يا ولاد ال ...! ) و انضم إليه شاعر و إعلامي آخر مؤكدا ً : ( المجاهرة بالإفطار ليست جريمة و مصر ليست إسلامية ) محذرا ً مما أسماه : ( هوس التأسلم ) ! و مضى شاعر ثالث مطلقا ً كل الحقد الموتور تجاه الشهر ,ومؤكدا ً أن هذا الشهر أصابه بالاكتئاب متسائلا ً متى يستعيد صداقته الحميمة مع سيجارته , و مدشنا ً ( هاشتاج ) بعنوان : ( اللهم بلغنا شوال ) !  و التقط  الخيط شاب طموح _ يحاول بخلع الأضراس أن يكون مفكرا ً و ناقدا ً ! _ فمضى يؤكد أن شهر رمضان ليست له أية مزية عن سائر الشهور , و أن حديث : ( صوموا تصحوا ) محض خرافة ! و أن هنالك أضرارا ً طبية بغير حصر على الصائمين تواطأ الجميع على كتمانها و عدم الإفصاح عنها خوفا ً من توحش الفكرة الدينية في مصر و أقل هذه الأضرار( فيما يرى ) خطر الجفاف بسبب منع الماء عن الجسم أربع عشرة أو ست عشرة ساعة ! ( و لكن لا بأس في ضمائرهم السياسية بتوحش الفكرة الشمولية و تجريف الحريات المدنية متى لزم الأمر ! )  و لن أبدد وقتا ً في التفنيد الذي تغني عنه النصوص المتواترة و المراجع الدقيقة _ على الصعيدين : الشرعي و الطبي _ و من الصحيح أن حديث : ( صوموا تصحوا ) قال فيه ( الصنعاني ) : ( موضوع ) و قال فيه ( العراقي ) في ( تخريج الإحياء ) : ( ضعيف ) , و لكنه يبقى بلغة المحدثين , حديثا ً ( ضعيف المبنى , صحيح المعنى ) و ماذا سيقول جهابذة الإنكار في قوله تعالى : ( ...و أن تصوموا خير لكم ...) ( البقرة / 184 ) و هي آية ليست بعيدة عن عبارة : ( صوموا تصحوا ..) ؟! و المدهش أن أحدا ً ممن أداروا حملة استهداف الشهر نفسه ( أكرر الشهر و الفكرة لا السلطة ! ) لم يكن متخصصا ً في الطب أصلا ً ! و إلا لعلم أن العلماء يقررون طبيا ً أنه حتى في الحالات التي يمتد فيها الصيام _ افتراضا ً _ إلى ثماني عشرة ساعة  ( كمتوسط وقتي ) فإن الجسد يبدأ في هضم نفسه ( هضم البروتينات ) و لا يتأثر عنصر التصميم , لأن المعدة تأخذ في الانكماش , حيث يعتاد الشخص _ نفسيا ً _ على التحمل فيما يعرف علميا ً باسم : learned industriousness و لن أعيد التذكير بما يصنعه الصوم من تدعيم النظام المناعي للجسم في ممارسة مهامه بصورة أقوى . و ما هو مقرر في علم التغذية السريري من دور الصوم في مناهضة أمراض القلب و الشرايين , و زيادة الفعالية في اثنين من مستقبلات هرمون ( الأديبونيستين ) و مساهمة الصوم في طرد السموم المتراكمة و تجديد الخلايا , و هي أمور تكفل بتوضيحها ( شلتون ) في كتابه : ( التداوي بالصوم ) و ( آلان كوت ) في كتابه : ( الصوم الطبي / النظام الغذائي الأمثل ) و ( هنرك تانر ) في كتابه : ( الصوم إكسير حياة ) . و هؤلاء المؤلفون ليسوا _ بالمناسبة _ ( مسلمين ) و لا ( متأسلمين ) !  يعنيني في المشهد برمته , تقصي التداعيات الخطيرة لسلطة رفعت سقف الاستباحة _ بإزاء الفكرة الإسلامية عموما ً أو حتى الإسلام نفسه ! _ إلى حدود غير مسبوقة , ثم قررت هذه السلطة نفسها _ في تناقض درامي صارخ _ أن تزايد بارتداء ثوب القطب المتنسك ! إنها السلطة نفسها التي سدت المنافذ أمام المعتدلين قبل الغلاة بعشرات الوسائل و الآليات و خنقت فضاءهم بصورة خطيرة  , و الآن تداهم المقاهي بغطاء حماية الدين ! و يعنيني في المشهد _ بالقدر ذاته _ تتبع مستويات الجرأة و التوقح التي بلغها التيار اللاديني المتنامي , بضمانة السلطة و حمايتها  في كثير من المراحل !  و لن أستطيع في زحمة الصور و المشاهد أن اتفهم مسلك سلطة تستبيح الفكرة الإسلامية _ لا دينيا ً _ بجموح ( أتاتورك ) , ثم تتدخل فجأة _ دينيا ً _ بنزق ( داعش ) ! و لكن يبقى نصح واجب للجميع بخطورة النتائج الناجمة عن انتحار الوسطية و تبدد معنى الاعتدال.

الجمعة, 10 يونيو 2016

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق