في جريدة المصريون
نكبت مصر ، وخصوصاً في العقود الثلاثة الماضية ، بطراز عجيب من النخب ، تدور مغناطيسياً مع رغبات الحاكم دوراناً أعمي ، وتلبي نزواته بطرفة العين ، وتحشد من أساليب التبرير ( الأكروباتي ) ما يدهشك حين يكون المشهد ( سريالياً ) في قمعه وتسلطه أو في مساحات الظلم الطبقي والقهر الاجتماعي فيحتشد رموز النخبة بالطلاء الزائف تهيؤاً لتغيير الألوان وتمييع الخطوط بحيث يصبح ( الأسود ) ( أبيض ) بناء علي رغبة البلاط الملكي ( أو الرئاسي لا فرق ! ) ويصبح ( الرمادي الكالح ) بزهوة البرتقال ونكهته ! إنها القبيلة ذاتها التي رقصت فوق جثة ( سليمان خاطر ) وخدرت وعي الملايين لعقود وعاودت الرقص الغوغائي فوق جثمان ( خالد سعيد ) قبل أن تتمسح بعباءة الثوار لتعاود الآن طقس الرقص الكرنفالي مجدداً مع شلالات الدم الساخنة التي تدفقت مع صدامات ( المؤسسة العسكرية ) و( التيارات الإسلامية ) في معركة صفرية مرعبة نفخت القبيلة الثقافية الانكشارية نفسها في نارها بحقد أسود وغل موتور ! ناقشت شعراءهم وروائييهم ومسرحييهم في مئات الندوات فلم آنس منهم ، في الأعم ، إلا حرصاً أنانياً علي استقبال الأضواء التي تفيضها حفلات التوقيع ، أو ابتلاع الجوائز بما يشبه الشبق ، أو التمتع بالأسفار المجانية التي تكفلها تكية ( وزارة الثقافة ) التي وازنت ، بأداء استخباراتي مدهش بين ( العصا ) و( الجزرة ) ، فناورت المثقفين ببراعة ، ولاعبتهم في الحلبة بمهارة مشهودة ، لتتكرس تدريجياً ( حظيرة ) الحكم الشمولي التي طنطن بها ( فاروق حسني ) طويلا بمباركتهم وتعميدهم ، ولتتكرس بالتوازي ظاهرة ( المثقف الأمنجي ) ! وحين كانت تثار قضايا الحريات أو سجناء الرأي أو مصائر الفقراء ، لم أكن آنس منهم إلا تبلداً غبياً وهروباً مفضوحاً ، فلم يخوضوا ، في الأعم ، معركة واحدة جادة تستحق الذكر ضد حاكم أرعن أو وزير مغيب الضمير أو محافظ مخرب يعرفون أن له صلة بالعلية والكبراء في مطبخ القرار ! وحين رانت الغيمة السوداء فوق رأس الوطن في الأشهر الماضية وأطبق الاختناق واليأس وتواترت حالات الانتحار وإشعال النيران في الأجساد فيما أسمته إحدي الكاتبات ( الهجرة غير المشروعة إلي الآخرة ) بتأثير الظرف الجاثم ، خرجت من أفواههم مقترحات تجسد الضحالة وتفضح الخفة . ولم أصدق أن الروائي ( بهاء طاهر ) يري في جملة الحلول المقترحة بإزاء قلاقل الجامعة ومظاهراتها ، أن تغلق الجامعات المصرية عامين كاملين ! نعم نبقي من وجهة نظر صاحب ( واحة الغروب ) عامين لا نعلم أو نتعلم ويا لها من حلول ! وها هو السيناريست ( وحيد حامد ) يشق خشبة المسرح ليقول لنا ، بملء فيه ، إن استعادة البناء الديمقراطي تفتقر بالضرورة إلي ( بعض الدماء ) !! فيا لها من ليبرالية دموية شديدة الحداثة تساق لها التيارات الإسلامية ( دون غيرها ! ) لترتفع أبراج الديمقراطية التي يبشر بها أمير الدراما المصرية ! وعاود الوزير الأبدي / الأزلي د جابر عصفور امتطاء حقيبته المفضلة ، وزارة الثقافة ! لم يأنس غضاضة في أن يعود لوزارة أقسم يمينها الدستوري أمام المخلوع ( مبارك ) ليكون آخر ما علق بالذاكرة من فترته ، فعاد إليها مع موجة الهيمنة الفلولية ليمتشق سيفاً خشبياً يحارب به الأزهر ! نعم الأزهر في هذا التوقيت ! لم يتطرق إلي مسار ديمقراطي أو دساتير أو ملف انتهاكات للحريات وحملة الأقلام ! وإنما سدد صاروخه الضخم إلي وكيل الأزهر واشتبك معه في معركة مفتعلة لصرف الأنظار عما هو أجدي وأخطر . يحكي يا د جابر أن وزير ثقافة فرنسياً اسمه ( أندريه مارلو ) ناضل عن الحريات بروح جاد ، فاجتاز مساحات الخطر الحقيقي ، حيث سافر إلي ( برلين ) ، في ذروة بطش ( هتلر ) ، ليخلص الأديب ( ديمتروف ) من أنياب القتل ، ثم حمل رحاله إلي أسبانيا ، في زمن الحرب الأهلية عام ١٩٣٦ ليشتبك مع الفاشست الإسبان ويلقمهم حجراً ، ثم دافع عن وطنه فرنسا في الحرب العالمية حيث التحق بفرقة المدرعات الفرنسية ليقع في أسر الألمان ثم يعاود الهروب منهم ، لا ليعتزل في بيته بل ليواصل الاشتباك في الميدان حيث أصيب بجروح خطيرة في معركة مع ( الجستابو ). واعتبر حريات المواطن الفرنسي قدس الأقداس ، وحين ولي وزارة الثقافة قال : ( الإنسان الجاثي علي ركبته لا شرف له مهما كانت معتقداته ودعاواه ) . هؤلاء وزراء ثقافة رفعهم التاريخ مكاناً علياً ، فهل مازلت مصراً علي فيلم ( التنوير ) الذي صدعت به رؤوسنا دون طائل !
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق