18‏/06‏/2016

محمد نصر ...العملية الفاشلة لتصنيع داعية !


في جريدة المصريون



كان الداعية النزيه الجسور دائما _ عبر التاريخ الإسلامي الممتد _ ثمرة بهيجة لعملية تاريخية / حضارية معقدة , تداخل في صياغة معادلتها التأهيل الشرعي الجيد و الفطرة الإنسانية المجبولة و الذكاء الاجتماعي و دماثة الخلق و الاحتفاظ الواجب بمسافة أمان  بعيدا عن أبواب الحاكم و قلاعه  ( و منحه و هباته بطبيعة الحال ! ) , و لباقة الخطاب و ترفقه و تأدبه و تحري الوسطية و التيسير و تجنب التزمت و الإلجاء و القهر أو التسفيه و التطاول  و الجسارة الواجبة في مواجهة الجميع  ( خصوصا الحكام ) بالعوار و الأخطاء دون خضوع لموازين أو حسابات الريع و المكسب العاجل  بما يقتضيه ذلك من الحفاظ المستمر على مظهر الهيبة و مسالك الاستقامة التي لا تخدش الرمز , و قبل هذا كله توافر الرصيد الكبير من المؤلفات و الكتب و التلاميذ , و لعل هذا كله أو بعضه هو ما صاغ ( الخلطة الشعبية ) لنجاح الدعاة و تربعهم في القلوب عبر قرون . إن تخلق الداعية عملية عفوية في حياة الأمم يصنعها الجهد المبذول و الاحتياج الحضاري و الاستعداد الفطري و درجة التأهل الضروري  و قدرة الداعية نفسه على المواكبة و الاستمرار بثقافة عصرية لا غنى عنها , و حين يقيض لداعية هذا الفضاء الملائم المواتي , تتوطد مكانته بدرجة من الترسخ  القوي تستعصي على الحلحلة أو الاهتزاز أو التلاعب , و يتألف بينه و بين الجماهير شكل من أشكال  التناغم الهارموني الإنساني النادر , على نحو ما وجدنا من تفاعل عجيب بين ( الشعراوي ) _ رحمه الله _ و الجماهير الغفيرة من البسطاء الذين تحلقوا حول درسه في المسجد , و أنصتوا لكلماته الرفافة و حضوره الإيماني / الإنساني المثير , فتوطدت مكانته بوصفه ( مايسترو ) ماهرا موثوقا به في معزوفة شعبية متناغمة تصنع الفضيلة و المنجزات و تغري بالتطورالشامل , وعيا و خلقا , نحو الأفضل .  غير أن ما ذكرناه _ فيما سلف _ يختلف جذريا عن عملية متكلفة مفتعلة ل ( تصنيع داعية ) في الغرف  السرية المثيرة للريبة و الشك , و خصوصا حين تجري هذه العملية  بالقسر و الإكراه  و الأصباغ و المساحيق الإعلامية شديدة التكلف ,لينتج عن ذلك  تمرير ظاهرة ( ضحلة ) شديدة التسطيح لتصبح _ بأصابع الميديا المدربة القادرة على التضخيم الزائد ! _ ظاهرة كبيرة جادة تفرض حضورها على الوعي الجماهيري , و لو كان ذلك بالسماجة الزائدة و الإلحاح المستفز ! و قد نجح الإعلام المصري بترسانة هائلة من الفضائيات في فرض ( وجوه استفزازية ) من هذا القبيل لم تكف عن قذف آذاننا المسكينة بخطابها الضحل التافه آناء الليل و أطراف النهار ! و كان ( محمد عبد الله نصر ) _ الملقب في الصحافة ب ( ميزو ) _ في تقديري واحدا من ثمار هذا الحنظل المر الذي كتب علينا ابتلاعه و تجرعه بإلحاح إعلامي صفيق متبلد لا يقيم للمشاعر الشعبية وزنا و لا لرأي الناس حسابا و لا لكلمة العلم الصارمة اعتبارا ! و قد تجنبت تماما ذكر كلمة ( ميزو ) في عنوان المقال تلافيا ل ( التنابز بالألقاب ) أو الانزلاق إلى ما يجافي عفة اللسان . و أصارحكم بأنني كدت أتجنب الخوض تماما في أمر هذا ( الوجه المصنوع ) في غرف اليسار المصري , لكن ما حفزني على التطرق لهذا الوجه المفروض علينا _ بما يجاوز الإلحاح _ أن الكلام عن ( محمد نصر ) ذي الزي الأزهري , و الذي لم يكف يوما عن إهانة الأزهر بتوقح , سيكون مناسبة لاختبار قدرة ( الغرف اليسارية المصرية )  الآن على تصنيع الوجوه التنويرية  / الدعوية الجديدة التي دأبت عبر عقود على تصنيعها لتغتال الفكرة الإسلامية المعتدلة أساسا ! و هو في الوقت نفسه مناسبة لاختبار قدرة ( الإعلام المصري الموجه )  في مرحلته الراهنة المسفة على صناعة الوعي الزائف  و تمرير ( النجوم المصنوعة) بالماكياج مجددا ! و قد رسب الطرفان معا رسوبا مريرا في إطار حالة الانكشاف الشامل و غير المسبوق للمشهد المصري بكل أطيافه و مكوناته , إذ رسبت غرف اليسار و أروقة حزب التجمع في تصنيع وجه دعوي / تنويري مقبول ذي هيبة , و فشلت جوقة مدينة الإنتاج الإعلامي في صناعة نجم جماهيري جديد للمنابر يماليء السلطة و يسرب مشروعاتها ( مهما كانت كارثية ) , و تمخض الحشد الهستيري الموتور عن ( قنبلة صوت ) كبيرة مضحكة لا تغري بالاحترام فضلا عن المحاكاة و الاحتذاء .  حاولت غرف اليسار الماركسي المصري _ منذ عشرينيات القرن الماضي _ تصنيع ( داعية تنويري ) ( بالمواصفات الماركسية ) لتمرير مشروعها الفكري , المتنكب لفكرة التسامح و الحريات , و نشطت هذه الغرف السرية بقوة منذ عام 1920 , بمشورة رموز الفترة من الوجوه الماركسية البارزة : ( حسني العربي ) و ( أنطون مارون ) و الروسي المتمصر ( أفيجدور ) , وكان ينضم إليهم ( روزنتال ) و ( سلامة موسى ) و الموفد السوفيتي لمتابعة النشاط الماركسي في مصر ( ترويانوفسكي ) , و استمرت المحاولات في الستينيات و السبعينيات و ما تلاها , و كان الشيخ اليساري ( خليل عبد الكريم ) ( 1930 _ 2002 ) منتجا بارزا من منتجات هذه الغرف اليسارية المحمومة , و هو أساسا محام , وبوضوح تام فقد  كانت غرف اليسار المصري قادرة على صناعة الإبهار اللوني البراق الذي يغري العين لكن هذا الجهد لم يصنع يوما عمقا و لا إخلاصا و لا أيه مهارات للاختراق الجماهيري الكبير و ظلت غرف اليسار و غرف السلطة معا  تطرح السؤال نفسه : لماذا لم تصنع غرفنا برغم آلة القمع و الدعم المالي غير المحدود , رجلا بحجم ( محمد الغزالي ) ؟!  تأكدت السلطة في مصر حاليا _ مع اهتزاز المكان و المكانة بصورة خطيرة ! _ بأن الأمر بات بحاجة إلى ( داعية ) جديد من خارج الصندوق من طراز الدعاة / الدمى الذين أفرزتهم غرف اليسار المصري , يمكن أن يسهم بنصيب كبير في ( تكسير ) الأمواج الشعبية للفكرة الإسلامية فكريا , جنبا إلى جنب مع شكيمة العصا الأمنية التي ارتفع سقف قمعها إلى حدود غير مسبوقة _ رأسيا و أفقيا _ و يمكن لهذا الداعية المصنع تصنيعا في الغرف , مع حقنه بالتضخيم الإعلامي المطلوب , أن يسهم بنصيب مماثل في امتصاص حالة الاهتمام الجماهيري و ابتلاعها بعيدا عن منطقة النظر المنذرة بالخطر  أو الجالبة للصداع مثل موضوع السدود الإثيوبية أو( هشام جنينة ) أو تداعيات قضية الإيطالي ( ريجيني ) , و لا بأس هنا من الدق إلى جوار الآذان بموضوع إنكار  ( عذاب القبر ) أو تعريف الزنا بصورة مبتكرة جديدة أو حتى التطرق العلني الإعلامي إلى فكرة حذف آيات من القرآن في السابق في إطار عرض موضوع ( النسخ ) في القرآن ما دام ذلك يجري في إطار خطة ( الإلهاء الاستراتيجي ) ! و تلاقت هنا غرف السلطة و اليسار على الهدف نفسه ! و لأن غرف السلطة و اليسار معا تعاني من شيخوخة كاملة طالت المرافق و الخلايا و الأطراف , فقد وقع الاختيار على شاب من مواليد سبتمبر 1977 ( شبرا الخيمة ) , و هو من أسرة ريفية من ( الباجور ) بمحافظة المنوفية , تخرج في كلية أصول الدين ( قسم الدعوة و الثقافة الإسلامية ) بتقدير : ( جيد ) عام 2003 . و كان يعمل قبل ثورة 25 يناير في مجال تحفيظ القرآن , و المدهش أن هذا الشاب ( المختار ) , رسب في مسابقة اختيار الأئمة بوزارة الأوقاف فلم يتم اختياره كإمام معتمد لضعف المستوى ! كان هذا الشاب هو ( محمد عبد الله نصر ) , الذي تم ضمه إلى ما يسمى ب ( أمانة الدعوة ) بحزب التجمع , و وقع اختياره عضوا باللجنة الإعلامية بالحزب نفسه , و هو الذي شارك مع رموز اليسار المصري في تدشين ما سمي ب ( الحملة الشعبية للتنوير ) . و توالت الفقاقيع الهوائية الكبيرة ل ( محمد نصر ) و تعاقبت فتاواه ( الكاريكاتيرية ) بدءا من إنكار أن يكون التلاقي الجسدي الجنسي بين غير المتزوجين هو من قبيل ( الزنا ) المنكور و أنه مجرد ( بغاء ) ! ( ياللفصاحة و القياس الفقهي النابه ! ) وصولا للهجوم المسف على ( البخاري ) بسب مبتذل يليق بمصاطب ! و انفتحت فجأة الأبواب الأمامية و الخلفية في كل الفضائيات ل ( محمد نصر ) صاحب ( كبسولة التنوير ) , فمضى يفح بغمزه المبتذل للإسلام , قرآنا و سنة و رموزا , و حاول ( الإبراشي ) بالخصوص أن يعيد تسويق الصورة المتوهجة للشاب متواضع الإمكانات كلما تعالى الضحك أو تعاظم الاستياء و الإنكار الشعبي !  و لم يزدد ( محمد نصر ) في كل مرة إلا ذبولا و انكشافا مفضوحا لا يصلح معه الإصلاح أو الترميم , و بوضوح كان الفشل الذريع في تسويق محمد نصر هو في الجوهربمثابة فشل كامل لسلطة مضطربة فاقدة لأية بوصلة ,و كان في الوقت نفسه إشهارا شبه علني بوفاة اليسار المصري الذي انطرح في عباءة السلطة نفسها , و تماهى مع أهدافها تماما , بعد أن نسي قضيته الأساسية المعلنة : ( العدالة الاجتماعية ) ! و المشهد المصري من بعد مازال مفتوحا على كل أشكال الفرز و السيناريوهات المفتوحة !

الجمعة, 08 أبريل 2016

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق