في جريدة المصريون
يصر اللادينيون المصريون على استغلال المرحلة الراهنة المشربة بالعداء ضد (الفكرة الدينية) عمومًا والإسلامية خصوصًا، فى خضم صراع سياسى ضخم، مازالت شرارته متقدة، وتداعياته وآثاره متغلغلة فى العمق، وهم لا يدخرون وسعًا فى استثمار البغض الشديد الذى تكنه أجنحة متنفذة فى السلطة ضد الفكرة الإسلامية (دون تمييز بين متوسطين وغلاة!) ويواصلون قصفهم الموتور، على كل المستويات والأصعدة الإعلامية والفنية والجماهيرية ومنابر التواصل الاجتماعي، ولا تخلو ممارساتهم من محاولات مضنية لمزيد من غسل الأدمغة وتجسيد (صورة ذهنية) للمتدين عمومًا والمسلم خصوصًا، باعتباره كائنًا راديكاليًا شديد التطرف، معزولًا عن اللحظة الحاضرة، مسكونًا بنزق الانتقام الأعمى والتوجهات الدامية المدمرة! كانت ملابسات اللحظة - كما أوضحت غير مرة - مؤذنة بما أسميته (حالة الانكشاف) الشامل للمشهد، بمستوى سمح بتعرية (التيار اللاديني) المتطرف تمامًا، بإظهار شخوصه وبؤره ومواقعه (التى كانت محجوبة)، وفضح المدى الذى وصلت إليه توجهاته الصاعقة فى توقحها ومطالبها (المعلنة) (لا المستترة!) وإماطة اللثام عن نشاطه المتعجل الحثيث لمحو الفكرة الدينية وتدمير بنيتها فى الجذر البعيد، مستثمرًا انطباعات رسخها الخطاب الإعلامى التحريضى ضد نموذج المتدين، فضلًا عن حملات سلطوية هائلة ذات صبغة أمنية مكثفة تمضى بدورها حثيثًا نحو الاستئصال فى مواجهات مازالت (صفرية) لم تنجح دعاوى المصالحة حتى الآن فى إخماد أو إضعاف عجلاتها الدائرة بتوحش! ويضاف إلى ذلك شريحة شعبية ناقمة شكلها الإعلام التعبوى فى مواجهة أى نموذج للمتدين عمومًا فى أسوأ عملية غسيل مخ شهدتها مصر فى تاريخها الحديث! ولأن قصف الحالة الإسلامية داخل مصر - بكل مستوياتها وأطيافها - صارت كما أوضحت هى رقعة البطولة الكارتونية المجانية المأمونة، التى تضمن لصاحبها حظوة لدى السلطة، وإفلاتًا من المساءلة المؤذية أو محتملة الخطر، فقد ركب اللادينيون فى مصر ظهر المشهد بمنحى انتهازى لا يعرف معنى الحياء، وأوغلوا بالمثقاب الحديدى فى مساحة الجرح المفتوح بيقين يملؤهم بأن الفرصة السانحة قد لا تتكرر مستقبلًا، فتطايرت عمليات التشكيك الغوغائى فى كل رموز الفكرة - منذ بدايات الإسلام نفسه! - ولم يسلم الأنبياء والصحابة والتابعون والعلماء فى مجموعهم، من الإقذاع والسب الجماعى العلنى البعيد عن أى تقييم موضوعى غير متشنج، إنه السب الذى يستهدف بوضوح نزع أية هيبة وكسر أية رمزية باقية! كما وقع فى مرمى القصف كل شعائر الإسلام وعباداته (بما فى ذلك صوم رمضان كما أوضحنا قبلا!) وكل مراحله التاريخية بلا تمييز فضلًا عن استيداع كل نصوصه قفص الاتهام (حتى ما كان منها قطعى الثبوت والدلالة!). وقد وجدت فيالق التشهير الجاهزة بسكاكينها المسنونة، قدرًا (قليلًا أو كثيرًا) من الحماية من قبل بعض أجنحة السلطة، مع إطلاق تبريرات ذات طابع سياسي، للتستر على المنحى العنصرى اللادينى المستند أساسًا إلى فكرة الاستئصال! جمعتنى بالكاتبة المعروفة (فريدة الشوباشي) مناظرة قبل ثلاث سنوات على إحدى الفضائيات حول الفكرة ذاتها فوجدت من قبلها تهجمًا عشوائيًا يمس كل شيء حمل رائحة الإسلام من قريب أو بعيد! وقد رددت عليها فى حينه بما غلب على ظنى أنه أطفأ هجومها الضارى الغوغائى غير الموثق، على نحو جعلها تنفجر غاضبة بعد الحلقة ككرة النار! والآن ومنذ يوم واحد تعاود (فريدة الشوباشي) إطلاق داناتها الثقيلة، فى غيبة منابر الصوت المناوئ! وتنطلق مشتمة مفتوحة تمس بطيش شهر رمضان والوضوء والحج والصراط والميزان وكل ما يمس الأمور السمعية فى علم العقيدة! وكان أحدث ظهور لهذا التيار إثارة موضوع جديد يتصل بإلغاء خانة الديانة فى بطاقة الهوية، حيث بادر النائب البرلمانى (علاء عبد المنعم) - النجم اللامع فى فترة مبارك - إلى جمع ستين توقيعًا لتصعيد مقترح إلغاء خانة الديانة من البطاقة الشخصية، ومضت السيدة (مارجريت عازر) وكيل لجنة (حقوق الإنسان) تؤازره - إعلاميًا - بهمة ونشاط مؤكدة فى إحدى المداخلات أن خانة الديانة (مالهاش ستين لازمة!..) وتكاثرت أبواق تضرب على الوتر نفسه! ولن أذكر أصحاب الدعاوى الجديدة بخطورة اللعب بكرة النار - مجددًا - والتطرق إلى هذه المساحة التى تمس اليقين الداخلى لدى المسيحى والمسلم، ومن حقهما الإفصاح عن الديانة بل والفخر بذلك، فليس ثمة مسيحى يمكن أن يفرط فى ولاء قلبى متجذر وذاكرة تمتد من فترة القديس (مرقص) مترعة بأنفاس النضال ضد (دقلديانوس) ومَن على شاكلته، وليس ثمة مسلم يمكن أن يغامر بالتعمية على ولائه الدينى فى وطن كمصر مات أو دفن فيه نحو من ثلاثمائة وخمسة وثلاثين صحابيًا جليلًا (يراجع: حسن المحاضرة للسيوطي) فمن حق صاحب الديانة أن يفاخر بديانته فى وطن يسمح بالتعايش ويحترم المواطنة.. ولكن يبقى سؤال جذري: فى أى اختبار جار من اختبارات الحريات نجحت الليبرالية المصرية أو نجح التيار اللادينى تحديدًا حتى يشهر هذه الفجاجة بتوقح؟! ويبقى سؤال ضرورى للسلطة نفسها: هل يمكن أن نحتاج فى يوم ما قادم مستقبلًا - بالضرورة القصوى - للولاء العقدى الذى يتلذذ البعض بمحاولة إماتته الآن ظنًا أن فى ذلك مصلحة متحققة؟ لا تتسرعوا فى الإجابة فقط انظروا إلى مؤامرة المنابع الإثيوبية، وبصمات (المارينز) فى العراق ومساحات أخرى لا يجدى معها إلا بأس مقاتل ذى عقيدة!
الجمعة, 17 يونيو 2016
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق