في جريدة المصريون
كلاكيت ثالث مرة . ( حلمي النمنم ) يظهر في الأفق بطلا لفضيحة جديدة ! فقد افتتح النمنم , بوصفه وزيرا للثقافة , معرض الإسكندرية للكتاب _ بصحبة مساعديه و قياداته _ و أصر محافظ الإسكندرية السيد / ( محمد عبد الظاهر ) على الكرم الحاتمي الذي يذكر بجود العرب العريق و ولائمهم الممتدة , فأعد ( عزومة ) مصرية سخية للوزير ووفده الضخم ( المكون من نحو ثمانين فردا ! ) و شهد ( ووتر جيت ) المصرية , مطعم كبير أنيق من أشهر مطاعم الثغر , حيث تقاطر على المطعم الوفد الوزاري الهمام بصحبة وزيرهم الجسور , المعادي للظلامية و الظلاميين , صاحب المعارك ( الدون كيشوتية ) مع حزب النور , و على الموائد العامرة , المدفوعة من ضرائب المصريين و دمائهم ( الممصوصة ) المنتهبة , تراصت أطباق شهية من سمك ( الباربون ) و ( الفيليه ) و ( الدنيس ) و ( القاروص ) و ( السبيط ) و ( الجمبري ) و ( السالمون ) و تعبأ الجو داخل المطعم بسحب الدخان الشهي المنبعث من أطباق ( السي فود ) و الحساء اللذيذ , و تناثرت بسخاء هائل أطباق الأرز و السلطات و المشروبات , ثم ما لبث الوفد العزيز أن أتبع الوجبة التاريخية _ التي لم يعرفها العصر العباسي قديما و لا الحواضر الخليجية النفطية حديثا على الأقل في العلن ! _ ب ( الحلو ) حيث ازدانت الأطباق العامرة ب ( الفرود سلاد ) ! و تقاطر الصحفيون على المطعم الشهير , لتخبرهم المصادر الأمينة داخل المطعم , بأن الفاتورة لم تذهب إلى مكتب المحافظ ( حاشا لله ! ) فالرجل حريص تماما على ( المال العام ) , و إنما انبرت هنا الفروسية النبيلة و الأنفس السخية و الأكف الندية للهيئة العامة للكتاب , التي تكفلت بالفاتورة ( التاريخية ) و قدرها _ بحسب المعلومات الأولية _ أربعون ألف جنيه ! نعم الرقم المكتوب صحيح و لم تخدعك عيناك أو أذناك ( أربعون ألف جنيه ) بالتمام ! فقد كان لا بد للنمنم و قياداته التاريخية النابهة أن يضمنوا للوفد المناضل المجهد من أعباء العمل الناشط و النضال , وجبة مغذية توفر لهم ( الفوسفور ) المفيد الذي يعينهم على أعبائنا السخيفة و المؤن الهائلة التي تقصم الظهورالتي تسببنا فيها , و الملقاة على عواتقهم ! و حمد الجميع الله من الأعماق لأن شخصا ( ثقيل الظل !) قد تم إزاحته من المشهد و التلويح بمحاكمته _ لذبح القطة مبكرا ! _ و هو المستشار النشط ( هشام جنينة ) و جهازه المزعج , المسمى ب ( الجهاز المركزي للمحاسبات ) , و من ثم ضمن الوفد الهمام ألا يتتبعهم أحد بالتهم الكلاسيكية ( المعلبة ) عديمة الضرورة من قبيل استباحة المال العام أو التغول الفاجر على ما بقي من القروش الزهيدة في خزانة الدولة أو ما بقي من الاحتياطي النقدي المتآكل ! و هنا عند هذا المنعطف انتقلت البطولة المطلقة في الفيلم الميلودرامي إلى نشطاء الفيس بوك , الصداع المزمن في رأس السلطة الحالية التي أسكتت المشاغبين من الرافضين لهذا ( الفجور ) الاستهلاكي الملتاث للسلطة , و هم ( أي هؤلاء النشطاء ) هم الإعلام البديل و مصدر الفضائح السلطوية الوحيد الذي فشلت فيالق التهديد في إسكاته , فأسرعوا بتداول الفضيحة المالية الجديدة و قاموا ب ( تشييرها ) في امتداد طول مصر و عرضها , ليصبح الجميع و لا حديث لهم إلا عن جمبري الوزير و وجبته التاريخية التي امتصت ما بقي من دماء الجائعين و قروشهم الزهيدة , حيث أصبح متعينا عليهم أن يتحملوا هذا المسلك الاستهلاكي الجديد المغيب الفاجر , و أن يطالبهم ( السيسي ) _ في الوقت نفسه ّ! _ بأن ( يصبحوا ) على وطنهم الغالي كل يوم بجنيه من هواتفهم ( المحمولة ) لتتعافى الموازنة العامة على حساب أكبادهم و قلوبهم المنهوكة و أنفاسهم المستنزفة ! و مضى مشهد الأكل المغموس في دماء الغلابة ليصبح حديث الساعة ! هل وعى ( السيسي ) و رجاله بالفعل هذا المشهد بتفاصيله ؟! و المدهش أن هيئة الكتاب بادرت إلى مداواة الفضيحة , فأصدرت بيانا _ بعد انفجار عواصف الفيسبوك ! _ تتبرأ فيه من هذا السفه الفاجر و نشرت على الفيس فاتورة جديدة ( مضروبة ) بلا أختام واضحة , لتؤكد أن مبلغ الوجبة نحو ستة عشر ألف جنيه لا أكثر _ بعيدا عن المزايدين و المغرضين ! _ و كأن ستة عشر ألف جنيه في وجبة واحدة شيء قليل أو محتمل و مقبول للرأي العام ! و هكذا مضى المعالجون للفضيحة ليكحلوا العين فأعموها و أذهبوا نورها تماما ! و انطلق الخبثاء يقولون إن ما جرى لم يكن أكثر من محاكاة مخلصة ل ( رب البيت ) , الذي ذهب , بصحبة القيادات لافتتاح بعض المشروعات السكنية لمحدودي الدخل ( نعم أتحدث عن محدودي الدخل ! ) بمدينة السادس من أكتوبر , فمد المساعدون أمامه سجادة حمراء أنيقة استطالت لمسافة أربعة كيلومترات , لتخطر عليها سيارات الرئاسة ( الملكية ) المصونة بنحو أربعة آلاف متر طولا و ثمانية أمتار عرضا , فإذا كان سعر المتر من السجاد نحو خمسين جنيها _ هكذا حسبها المصريون _ فإن معنى ذلك أن تكلفة الزفة الإمبراطورية قد بلغت نحوا من مليون و ستمائة ألف جنيه ! و هو ما أعاد إلى الأذهان حفل التنصيب الرئاسي في الثامن من يونيو 2014 و الذي كبد الخزانة المنهكة حد الموت نحوا من عشرة ملايين جنيه ! و على أية حال فقد ختم ( السيسي ) حفل افتتاحه للمشروعات السكنية لمحدودي الدخل بتذكير المصريين , الذين لا يعون الأمر جيدا , بأن دعم المياه يكبد الخزانة المصرية أربعين مليون جنيه يوميا , و أنه آن لهم أن يعرفوا أن حسوة الماء الصباحية قد أنهكت الخزانة , بعيدا عن النثريات التافهة التي تمثلها وجبة الجمبري و السجادة الحمراء و حفلة وزير الاستثمار في ( أسوان ) لافتتاح فندق , حيث مضى الوزير الهمام و معه وفد مكون من ثمانين صحفيا و تم حجز طائرتين و فندق أنيق للوفد الوزاري ( المناضل ) ! و لا تسعفني حقا البلاغة _ أية بلاغة _ لتذكير أصحاب فضائح استباحة المال العام , و هي الفضائح التي لم تحدث في سلطنة ( بروناي ) و التي أصبحت مادة دسمة في برامج ( التوك شو ) الإخبارية الساخرة في أمريكا و أوروبا بما جعلنا مضغة الأفواه العاتبة الناقمة , أقول لا تسعفني البلاغة لتذكيرهم بإغلاق خمسة آلاف مصنع في العامين الماضيين فقط أو خسائر قطاع السياحة في الأشهر العشرة الماضية فقط و هي الخسائر التي جعلت الاقتصاد المصري يقترب حثيثا من الإفلاس الكامل مع تناقص الاحتياطي النقدي لحدود مرعبة , و تراكم خسائر القطاع الزراعي التي بلغت _ في المتوسط _ ألف جنيه للفدان على نحو جعل الفلاح المصري يدخل في نوبات هستيرية مخاطبا ذاته المنكوبة ! لن أنعش ذاكرة بكوات المال العام و لا رموز السلطة الفاجرة في تصرفاتها المالية على النحو الذي أظهرته الفضائح المتراكمة , و لن أسأل لماذا لم يعاقب النمنم و رجاله و يتم إقصاؤهم من مواقعهم حتى الآن بعد أن يدفعوا ثمن وجباتهم الفاجرة , و لماذا لم يتم إقصاء أصحاب فضيحة السجادة الحمراء , لكنني سأقول كلمة واحدة للرئاسة بوضوح كامل : بعد اجتماع البرلمان الأوروبي الأخير أمس و الذي خاطب مصر الرسمية بغضب أسود مستحق حاسم و عداء غير مسبوق ممزوج بزراية و احتقار موجعين , لم يعد العالم الآن يا سادة يتحدث عن ( أخطاء ) السلطة المصرية , و إنما عن ( مصيرها ) ! نعم ( مصيرها ) من الآن فصاعدا ! هل وصلت الرسالة و هل تيقنت المنظومة الحاكمة أن الأمور ( قفلت ) كقطع الدومينو أم أن هناك وقتا للإطالة في لعبة التأجيل و عمليات الإلهاء الاستراتيجي التي احترفتها السلطة الحالية ؟ !
الجمعة, 11 مارس 2016
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق