21‏/06‏/2016

لقاء السفير الإسرائيلي ..نظرية ( التغابي المدروس ) !


في جريدة المصريون



لا يتعين أن تدفعنا السذاجة المفرطة إلى الاعتقاد أن ( توفيق عكاشة ) الملقب ب ( عضو مجلس النواب عن دائرة ( طلخا ) و ( نبروه ) , قد أقدم على خطوة مقابلة السفير الإسرائيلي الجديد في القاهرة د ( حاييم كورين ) , بإرادة منفردة أو ببادرة عشوائية ’ أو بمجرد حافز غريزي متضخم لدى ( عكاشة ) ب ( حب الظهور ) و لفت الأنظار ( و هي سمة ملازمة لعكاشة منذ ظهر أو بالأدق تم تسويقه إعلاميا ! ) و بالقطع لا يمكننا الذهاب إلى الاعتقاد بأن خطوة ( عكاشة ) هي أثر متخلف عن المرارات الهائلة التي أحس بها بعد عملية طرده من قاعة البرلمان أخيرا  ! و ليس في مقدورنا الاقتناع _ بيسر و بساطة _ بأن مقابلة ( عكاشة ) للسفير الإسرائيلي , هي مجرد ( لقاء شخصي ) و أن ( القانون و كامب ديفيد يحميانه ) , كما قال أحد زملائه النواب و كأن هذه العبارة المجانية يمكن أن تغلق الباب في القضية برمتها بسهولة ! و أرجو ألا يرد علينا أحد بالقول إن المقابلة و صاحبها أقل أهمية من أن نفرد لهما مساحة إعلامية من كلامنا أو كلام غيرنا ! فنحن بإزاء أول مقابلة من نوعها لعضو مجلس نواب منذ إنشائه مع ( سفير إسرائيلي ) بالقاهرة !  و مفاد الخبر كما طيرته وكالات الأنباء أن عكاشة دعا السفير الإسرائيلي إلى منزله بمحافظة القاهرة في حفلة عشاء و مقابلة , استمرت ثلاث ساعات , ووفقا لما ذكره موقع ( هميداه ) العبري , فإن الرجلين تطرقا في المقابلة ل ( احتمالية وساطة إسرائيلية بين ( مصر ) و ( إثيوبيا ) في موضوع السدود الإثيوبية الجديدة )  فضلا عن تطرق ( المباحثات ) إلى التعاون المشترك في مجالات التعليم و الزراعة ( مرة أخرى !! ) و الاقتصاد ! و بقطع النظر عن سؤال جذري مؤداه : ( من الذي فوض عكاشة ليتباحث باسم مصر ؟ و ما هي صفته ؟ ) فإن الأمر _ في مجمله _ بدا لي بمثابة قمة الجبل الجليدي , الذي يخفي الجزء الأكبر منه تحت سطح المياه . و مرة أخرى أرجو ألا ينشط بعض المتابعين ليمضي إلى سلوك الطريق التقليدية بالتهوين المعتاد من شأن ( عكاشة ) وفقا للمقولة المصرية الشعبية الشهيرة : ( كبر مخك ! ) فالثقة التي مضى بها عكاشة في خطوته المعلنة و الإصرار على عملية الترويج الإعلامي واسع النطاق لخطوته , و خطورة الشخصية التي قابلها ( أعني كورين ) و هو من أبرز الشخصيات الاستخباراتية في ( الموساد ) , و التحدي المستفز بتسويق المقابلة بقصدية مكشوفة للشريحة الواسعة من المصريين الرافضين , إجمالا , لعمليات التطبيع , كل أولئك يؤكد حدسي , الذي يوشك أن يصبح يقينا بأن هنالك ( جهة ما ) تدفع بعكاشة و تقوم بتوظيفه في الوقت المناسب لحساب أدوار متنوعة . فلا يمكن الاعتقاد بأن عكاشة _ مرة أخرى _ يمكن أن يقوم بهذه الخطوة بمفرده ! و أحسب , برؤيتي الشخصية , أن ( عكاشة ) منذ ظهوره إعلاميا لم يكن مجرد ( خيط برق )  خاطف  هامشي أو تافه  لمع فجأة في السماء ثم اختفى ! فهو يلعب بالفعل دور ( السوسة ) التي تحفر  و ( تنخور ) في الوعي الشعبي العام بمهارة و احترافية كاملة , باستخدام أقوى الأسلحة و أمضاها _ مما لا تملكه النخبة _ أعني التبسيط الشديد ( حتى و إن كان تسطيحا ! ) و النكتة الضمنية و الإطار الساخر المتباسط الذي يعشقه المصريون , إنها تقنية ( حديث المصاطب ) بطريق صادمة لا تخلو من البذاءة أو الألفاظ الجنسية المكشوفة , و هي طريقة قد تصطدم بقاعات النخبة و المثقفين و الأكاديميين , و لكنها وسيلة ناجعة ناجزة  جسور تعرف طريقها السريع المذلل إلى ملايين الفلاحين و الحرفيين و العمال و أولاد البلد الذين تكتظ بهم المقاهي . إن جرعة الحقن المسموم التي يمسك عكاشة بمقودها , كفيلة بتصدير العدوى السمية المطلوبة إلى ثلاثة أرباع المصريين , خصوصا مع التكرار و غيبة الوعي و مصادرة منابر الخطاب المعتدلة الواعية لأسباب لا مجال الآن لتوضيحها تفصيلا ,و هنا يتعين أن نستدعي من شريط الذاكرة وصلات الردح المطولة  لعكاشة , و هي الوصلات التي كالت المديح إلى إسرائيل في موضوع الاعتداءات السادية المتبربرة على ( غزة ) , و صب النقمة على فصائل النضال الفلسطيني إلى حد خلع الحذاء ( أو الصندل ! ) على الهواء و التلويح به للفلسطينيين , في خضم الثناء السخي على رجولة الدولة العبرية و مروءتها في الدفاع عن رجالها المضطهدين  !  لا أصنف ( عكاشة ) إذن في إطار ( مسرح السكتشات ) الذي يسلي المصريين في أزماتهم _ كما يظن البعض _ و لكنه جزء من آلية سياسية , ألمحت بها في مقالات سابقة , مؤكدا , في غير ملل , أن هنالك ( جهات فاعلة ) في المشهد , تستتر خلف أستار كثيفة , و تحرك الدمى و العرائس الشكلية في الاتجاه الذي تريده و ليس لدي ظل من شك في أن ( عكاشة ) , جزء مؤثر شديد الفعالية في لعبة الدمى و العرائس يستخدم عمدا لحرف الولاءات و حلحلة الثوابت الكبيرة  و إدارة معارك الأجنحة و الأقطاب بطريقة تبدو عفوية أو ساخرة أو مطعمة بالحس الشعبي  ! و ليس لهذه الرؤية أدنى صلة بما يسمونه ( نظرية المؤامرة ) فلدي عشرات المؤشرات المعلنة في هذا الخصوص  .  و لمن يصر على الغض من خطورة المقابلة , أذكر بأن ( حاييم كورين ) هو الرجل الذي التحق بالجيش الإسرائيلي ضابطا بلواء ( الجولاني ) عام 1967 , وكان ضمن القوات الإسرائيلية التي احتلت الجولان و الضفة الغربية , و قد عاود ( كورين ) المشاركة ضمن القوات الإسرائيلية المشتبكة مع السوريين عام 1973. و حين تم تعيين ( كورين ) سفيرا لإسرائيل في مصر , حذرت و حذر غيري مرارا من هذا الرجل , فهو الذي عمل مستشارا للشؤون العربية في المؤسسات الاستخباراتية الإسرائيلية , حيث يجيد العربية و التركية و الهنغارية  و قليلا من الفارسية ! و قد حصل على بكالوريوس في دراسات الشرق الأوسط و الإسلام من جامعة ( حيفا ) , قبل أن يحصل على الماجستير من الجامعة العبرية و الدكتوراه من معهد الدراسات الآسيوية و الأفريقية التابع للجامعة العبرية . و قد سبق للرجل العمل في قنصليات إسرائيل في ( نيبال ) و ( شيكاغو ) و ( الإسكندرية ) . و كان رفضنا للرجل  و تحذيرنا من وجوده داخل مصر , مؤسسا على جملة  حقائق ثابتة لا تقبل الطعن أبرزها فترة عمله سفيرا لبلاده في جنوب السودان , حيث لم يكف عن تلغيم الوضع و تفجيره بين ( جوبا ) و ( الخرطوم ) بطرق إكروباتية شديدة التخابث ! و تأكدت مخاوفنا ( الصائبة ) حين علمنا أن ( تركمانستان ) رفضت تعيينه سفيرا لإسرائيل في عاصمتها ( عشق آباد ) عام 2011 بعد أن تأكدت من ماضيه ( الاستخباراتي ) المخرب في فترة العمل في الموساد ! إن خلطة عكاشة / كورين تمثل في تقديري خطورة معتبرة , و يغلب على ظني أن فشل التطبيع بتوظيف المثقفين من قامات ( علي سالم ) أو ( يوسف زيدان ) أو غيرهما قد جعل ( تل أبيب ) تفكر في الوجوه الشعبية الجديدة من فيلق ( عكاشة ) و رفاقه في إطار اختبار الوسائل الجديدة !  و بوضوح تام , فإن ( الجهة ) المستترة خلف الستار الكثيف , أرادت بتحريك ( الاشتغالة ) الجديدة للثنائي ( عكاشة / كورين ) , أحدا من أمرين , إما التغطية على التداعيات الكارثية المؤكدة للخطاب الرئاسي الأخير الذي جانبه التوفيق من كل الوجوه , شكلا و مضمونا , بنقل مجال الرؤية إلى مساحة أخرى تتصدر البطولة فيها شخصيات أخرى  للتخفيف من ضغوط النقد الهائل , أو نقول إن  ( عكاشة )  كان جزءا من صراع الأجنحة و الأقطاب داخل السلطة حركته جهة تريد مزيدا من التورط و الإخفاق للمرحلة بتعرية فكرة الفشل بوضوح على كل المستويات و الأصعدة , و في كل الأحوال فإن المشكلة بالقطع لا تكمن في ( عكاشة ) و إنما في ( الجهة ) التي تدفع به في أوقات بعينها و ترسم له ( الكتالوج ) , لتترسخ مجددا الورطة المصرية و نستمر في تسديد أغلى الفواتير و الأثمان لفترة طويلة قادمة ! و حين تتبدد سحب الغبار عن هذه المرحلة المصرية المأزومة , و يشرع المؤرخون في المستقبل  في التأريخ لها بأناة و هدوء سنكتشف أن اللاعبين خلف الأستار بتحريك الدمى و العرائس كانوا أكثر خطورة  و شرا من القافزين بجلبة و ضوضاء على خشبة المسرح !

الجمعة, 26 فبراير 2016

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق