09‏/07‏/2017

احتجاجات ( القصرين ) ..استيعاب الدلالة بلا غرور !

احتجاجات ( القصرين ) ..استيعاب الدلالة بلا غرور !

كان لدي ما يشبه ( اليقين ) الذي يتضاعف تدريجيا , بأن محتوى الفعل الاحتجاجي القادم للشعوب العربية , سيكون ( اجتماعيا ) خالصا  خاليا من أية خلطة سياسية , بعد أن خنقتهم المحسوبية , و اعتصرتهم البطالة في خلاط الأنظمة  الفاشلة اعتصارا , و سحقتهم الرشوة المعلنة و الفساد المتبجح الذي يستعلن في الظهيرة دون حياء , و تآمر عليهم بارونات رأس المال في حلف عنيف عنيد سادي شديد الضراوة , و تجاهلتهم السلطة تجاهلا كاملا أو منحتهم ( ترامادول ) اجتماعيا مسكنا لا طائل من ورائه ! أو أعدت  لهم _ في بعض الأحيان _ مشهدا ديكوريا لمشروعات خيالية  صنعت مجرد لقطة تليفزيونية للعدسات و الكاميرات , داعبت أحلامهم بالفوائض و فرص العمل و الرفاهية , ليجدوا أنفسهم في النهاية بإزاء أيديهم الخاوية التي تصفر من المال أو الكرامة أو فرصة العمل أو أدنى درجات التفهم ! انشقت المجتمعات العربية طولا و عرضا _ و من بينها المجتمع المصري بطبيعة الحال ! _ على أساس طبقي عفن منح الفوائض و بحور الخزائن الممتلئة لطبقات محدودة العدد واسعة التأثير و حجب عن الشعوب نسمة الهواء و حسوة اللبن و لقمة الخبز  فرصة العمل الشريفة و جدرانا أربعة تصلح للسكنى ! اختنقت الشعوب العربية بقاموس السياسة و الساسة و كفرت بجهودهم و لغتهم و كوادرهم الكسيحة أو المتربحة بعد أن أصبحت الكوادر الحزبية الحاكمة و المعارضة على السواء مجرد واجهات بهلوانية  ثرثارة بلا أي دور !

 عادت الهتافات _ إذن _ تدوي في ( القصرين ) التونسية , ملهمة الثورات العربية : ( ..شغل ..حرية ..كرامة وطنية ! ..) و لم تفلح محاولات ( السبسي ) المتذاكية التي تدعي الحكمة  في أن تمرر الخديعة للجماهير أو تبيع لهم صناديق الوهم مجددا ! بدأت الشرارة من ( القصرين ) , و انتقلت بكيمياء العدوى الثورية المعروفة , إلى ( السبيبة ) و ( ماجل بلعباس ) و ( القيروان ) و ( سوسة ) بقوس عجيب مشدود حتى آخر حدود الغضب و الفوران ! و تصور المخططون السذج الأغرار للقرار التونسي أن احتواء غضبة ( القصرين ) المحدودة مكانيا و سكانيا ( عدد ساكنيها ثمانون ألف نسمة ! ) أمر ميسور سهل فدفعوا ببضعة دبابات و مدرعات لاحتواء الاحتجاج ( الاجتماعي ) الجديد , فإذا بالشرارة تنتقل بسرعة الضوء إلى ( تالة ) المجاورة لتختلط الأوراق و ترتبك الأمور و يتسع الخرق على الراقع و يتأكد للجميع أن المراهنة على صمت الشعوب بالمناورة أو القمع مجرد سراب  مخدر يحلم به الواهمون مادام الجرح الاجتماعي ما زال نازفا متقيحا حتى و إن حاول حجبه إعلام فاقد الضمير أو الولاء !

 تمعن الأنظمة في كثير من الأحيان في ادعاء الحكمة و التذاكي , فتقوم بترتيب مفردات المشهد السياسي إيديولوجيا كقطع الشطرنج بتوزيع التحالفات و التوازنات بمقاييس دقيقة تراعي السنتيمتر الواحد و تضع في حسابها أدق المساحات و المسافات لتضمن للمناوئين الجادين للعروش مساحة ضيقة مختنقة معراة عن أية تأثيرات عميقة جادة ( كما صنع مبارك فيما مضى باحترافية كبيرة ! )  حتى و إن كلفها ذلك أن توغر الصدور و تشق السلم الأهلي و تؤلب مجموعات و تيارات ضد أخرى بصورة مستهترة لا تخلو من التآمر  , قبل أن تكتشف _ بعد فوات الأوان _ أن للبطون الخاوية منطقا مختلفا و للعاطلين البعيدين عن لعبة السياسة برمتها , ذراعا شديدة الشكيمة يمكن أن تصل إلى هذه العروش و تقتلعها متى لزم الأمر !

 غابت بطولة ( البوعزيزي ) إلى حين , لتظهر في الصورة ملامح الشاب التونسي الجديد ( رضا اليحياوي ) صاحب الثمانية و العشرين ربيعا , الذي حرمه الفاسدون من فرصة العمل الحكومي التي يستحقها فسحبوا بفجور اسمه من قائمة التوظيف في القطاع العام و أحلوا محلها أسماء أخرى غير مستحقة , وخنقوا داخله آخر أمل في الكرامة و الاستمرار برأس مرفوعة , و خرج الشاب المحبط محتجا بآخر ضربات اليائس و اعتلى أحد أعمدة الإنارة , أمام مقر الوالي ليموت بالصعق الكهربائي أمام الجميع و ليشعل الغضب الوطني الشامل _ غير المؤدلج ! _ في الصدور مرة أخرى ! و ليثبت مجددا لأنظمة المناورة و القمع الأعمى أن سد كل الشرارات الثورية المرتقبة  أو المتوقعة , مجرد وهم سخيف لا وجود له إلا في رؤوس من انفصلوا عن اللحظة التاريخية , زمانا و مكانا !

 انفجرت آلاف التغريدات في العالم العربي  لتؤيد ( اليحياوي ) , الشخص و القضية , و عاد الفيسبوك ليتصدر مشهد البطولة , و كانت التغريدات المصرية _ بحكم الثقل و العدد _ الأوفر عددا , و هي رسالة لا بد من أخذها بعين الاعتبار الكامل , و تساءل الكاتب التونسي الكبير ( عبد الحميد الرياحي ) : هل ( ..يقتنع البطال و الجائع و الفقير و المهمش بأن الصبر و التضحية هما فعلا مفتاح الفرج ؟! ..)

 و تذكرت حوارات كثيرة قامت بيني و بين بعض المحللين , قبل سنوات , بشأن طبيعة ثورة الجياع و العاطلين و مكوناتها و نوع فعلها الاحتجاجي المندفع بغير نظر للعواقب , خلافا للثورات ذات الطبيعة السياسية التي تكون في العادة أوفر تعقلا و أشد حذرا ! و تذكرت رائعة الروائي السكندري الراحل ( محمد الجمل ) : (مزامير إبليس ),  و هي الرواية التي تنبأت بحركة الحشود الغاضبة , بحثا عن العمل و الخبز و الحرية !

 الثائرون العاطلون أو الجائعون ,حينما يتقاطرون مندفعين في الشوارع لا يكون غضبهم محدودا أو متوقعا أو يمكن التكهن بمحتواه و طبيعته , و قد تأكد ذلك في اتساع عمليات النهب في حي ( التضامن ) التونسي العريق  و الاستيلاء على عشرات الدراجات البخارية و السيارات الخاصة في ( القيروان ) و طيرت وكالات الأنباء صورة مواطنين  تونسيين يتنازعان في أحد المحال , تليفزيونا بشاشة (البلازما ) , فأغمد أحدهما سكينا في قلب الآخر ليفوز بالغنيمة ! و مع تسليمي بأن القاعدة العريضة من الثائرين الجدد في تونس , هي قاعدة نبيلة ذات قضية أكثر نبلا _ أعني القضية الاجتماعية _ فإن طبيعة الاحتجاجات الاجتماعية الخاصة  يمكن في زخم حركتها المتدفقة كدوامات المحيط الكبير الغاضب أن تكتسح حكمتهم أو تفوقها , سرعة و قوة , و هو بالقطع مأزق هذا النوع من الثورات , فهذه الثورات لن تتحدث عن تقسيم دوائر أو حياة نيابية أو جدل سياسي بيزنطي غبي أو بضع مواد دستورية تعدل أو تضاف , و لكنها ستمتد إلى بارونات السمسرة لتقتلع أحشاءهم دون تفكير و ستمتد إلى ( المولات ) الكبيرة لتفرغ محتوى ثلاجاتها من المؤن و الأطعمة , و ستمتد إلى مؤسسات التوظيف المسؤولة عن بطالتهم لتقوم بحز رؤوس مسؤوليها دون انتظار لأحد أو لتيار !

 أضرمت النيران في مقار ( نداء تونس ) , لأن ماكينة التبريرات  السياسية و الإعلامية توقفت فجأة عن العمل و لم تستطع أن تبرر للتونسيين لماذا تضاعفت نسبة البطالة في الثلث الأخير من العام  الماضي في تونس إلى خمس عشرة درجة بالمائة ؟! و لماذا بلغ العاطلون ما يزيد عن ستمائة و اثني عشر ألفا , فيهم ما يزيد عن مائتين و اثنين و أربعين ألفا من حملة الشهادات العليا ؟! و لماذا استمرت المنظومة الثورية الجديدة في حماية الفاسدين و سماسرة الأقوات و التشغيل ؟!

 الفعل الثوري _ في كل العصور _ تكون عينه دوما على ضرورات الحياة اليومية , فحين اندفع ( جيفارا ) ( 1928 _ 1967 ) و رفاقه في ثورتهم لم تهدأ الثورة في موجتها الأولى إلا بعد أن ارتقى ( جيفارا ) رئاسة ( البنك القومي الكوبي ) ليضمن للجائعين و العاطلين موطيء قدم , و ليطبق بيديه على رقبة الوضع الاقتصادي الجديد , و الأمثلة كثيرة تند عن الحصر .

 علينا أن ندرس , باحترام كامل تطورات الوضع التونسي _ خصوصا بعد تقارير هشام جنينة و قضيته  إجمالا ! _ فحين يكون الجائع / العاطل  في أجواء فاسدة اقتصاديا مخيرا بين (ميتتين ) , فإنه في العادة يفضل الميتة التي تفتح لابنه ثقب أمل  في المستقبل , و ليس من الحكمة مطلقا التعامل _ بغطرسة القوة _ مع ضربات اليائس التي تأتي دائما خارج صندوق التوقع !

من جريدة المصريون 
بتاريخ  22 يناير 2016

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق