خرافة ( النخبة المدنية ) في مصر !
ربما تشكلت في مطالع القرن الماضي تيارات ليبرالية جادة في المشهد الفكري/ السياسي المصري , صاغت مناخا جيدا للحريات المدنية , و كانت مستعدة لأن تحتمل الكلفة الباهظة لإقرار هذا المناخ و ترسيخه , و قد دفعت بالفعل أبهظ الأثمان , تشريدا و تضييقا و حربا شعواء تشن على الأرزاق و المعايش , و لكنها صدرت للقصر الملكي _ آنذاك _ رسائل شديدة الوضوح وضعت في النهاية لنزوات الحاكم و نزق السلطة عشرات الخطوط الحمراء . و خلف من بعد هذه النخبة خلف متقازم مدلس حاول أن يركب قاطرتها و ينضوي _ بالتدليس المكشوف ! _ تحت عباءتها و لم يتورع أن يتمسح بالأسماء الليبرالية البارزة في القرن الماضي أو يستدعي أدبياتها , حتى و هو في جراب الحاكم , أو يهتف بصيحة : ( الحريات ) و ( ..الفكر لا يرد عليه إلا بالفكر ..) و ( التنوير ) إلى آخر هذه الكليشيهات المتكررة الرتيبة , و هو مستكن مطمئن في عباءة الحاكم , متمرغ في هبات الأنظمة الشمولية السخية , التي صنعت من هذه النخب واجهة ديكورية للتجمل !
نبهت مرارا إلى أن مصر بعد الثالث من يوليو تعيش حالة ( انكشاف ) غير مسبوق لهذه النخب الفكرية الملتصقة زورا ب ( التيار المدني الليبرالي ) فضلا عن انكشاف آخر لوجهة النخبة الحاكمة ذاتها و منطقها و استراتيجيتها الشمولية الفجة بلا أي أصباغ أو مساحيق تجميلية ,فقد ظهرت هذه النخب في الفضائيات تصرخ بطلب ( الفرم و السحق ) لأية معارضة , و تنفخ في بوق الصدام الدموي الكبير بلا أي تحرج أو كوابح ( فرامل ) , بل رأينا تصاعدا منتظما لنظرية عجيبة مؤداها أنه لا بأس من ( بعض الدماء ) للتحرك الضروري ( إلى الأمام ) _ كما قال ( حلمي النمنم ) في لقاء مسرب ! _ و أن الديمقراطية المنتظرة تفتقر في إقرارها إلى بعض ( الدماء ) _ كما أكد السيناريست ( وحيد حامد ) بتعمد مكشوف ! _ و كان المقصود بالطبع دماء التيارات الإسلامية تحديدا دون غيرها أو دماء النشطاء السياسيين الأكثر بروزا دون سواهم ! و هذا الردح الإعلامي التحريضي لم يقل عشر معشاره الإعلاميون الروانديون الذين حوكموا أمام الجنائية الدولية فيما بعد بتهمة التحريض العلني على القتل على هامش المذابح الرواندية الأخيرة التي بريء منها الروانديون أنفسهم ! فإعلاميونا و مفكرونا المحسوبون على النخبة المدنية / الليبرالية قد فاقوا نظراءهم الروانديين قوة و فجورا و يكفي هنا فقط مراجعة وصلات التحريض البشعة التي كانت تستمر ساعات طويلة منادية ببتر الأذرع و سحق الرقاب و تعويم الوطن في دماء التطهير الضرورية ! كنا بوضوح بإزاء نخبة تتوجه نحو الدم بغريزة أسماك القرش لا نحو صياغة ( العقد الاجتماعي ) الضروري ليتعايش الفرقاء كما صنع ( لوك ) و غيره من الليبراليين الحقيقيين لا المغشوشين !
و دارت ماكينة الدم في مصر , بتحريض إجرامي من هذه النخبة _ و تعجب المخلصون من إقدام هذه النخب التي احترمناها يوما , على تغييب ضمائرهم بهذا الفجور أو استيداع هذه الضمائر ثلاجة الموتى , إلى حد الرقص على الجثث و الانتشاء لطلقات الرصاص , و التمايل طربا لانفجارات الجماجم و الأدمغة أمام الكاميرات ! و لم يعد السؤال مطروحا حول ( ليبرالية ) هذه النخبة الكالحة متجمدة الضمائر , و إنما عن ( إنسانيتها )المشكوك فيها ابتداء فضلا عن صلتها المزعومة بالفكر الليبرالي أو التيار الليبرالي ! و كنا نسأل بالتبعية لماذا لا تتكلم هذه النخب _ منذ الثالث و العشرين من يوليو 1952 _ إلا من داخل بدلة الحاكم ؟ و لماذا لا تقف كما تصنع النخب الجادة في العالم على يسار السلطة محتفظة بمسافة الأمان التي تسمح لها بتوجيه الحاكم و نصحه ؟! و اطمأنت هذه النخب للعبة ( غيبة الحريات ) _ لا حضورها ! _ و قنعت بالرشى السياسية الواضحة كالجوائز أو عضوية اللجان الكبيرة , أو الأسفار المصاحبة للرئاسة في الجولات الخارجية , أو توفير بعض مساحات الميديا لزوم التلميع الإعلامي ! و لم تبرز هذه النخبة أبدا في قضية تمس ملف الحريات المدنية العامة إذا كان أحد أطراف المعادلة ( السلطة الحاكمة ) بل كانت تلتزم الصمت التام , و العجيب أن لسان هذه النخبة لم يكن يسترد قدرته على الكلام , بل البلاغة الطليقة التي تنافس بلاغة الجاحظ و المتنبي و ابن المقفع مجتمعين , إلا حين تهان الأديان أو تستباح العقائد أو تصنع الولائم الكبيرة لاغتيال شيخ مجتهد أو داعية صاحب موقف , هنا فقط يسترد اللسان المشلول قدرة الكلام المنطلق و تسترد الأطراف المتجمدة قدرة الحركة الجسور أو حتى المتوقحة !
و يمكن , مثالا لا حصرا , أن نتتبع هذا الخط الانخذالي النفعي لهذه النخبة , بالنظر إلى تداعيات قضية ( فاطمة ناعوت ) الأخيرة , بقطع النظر عن رأيي في قضية ناعوت إجمالا , و لكن نظري كان موجها لردات فعل هذه النخب ابتداء ! فقد صمتت هذه النخب عن التعليق على ما يزيد عن ثلاثمائة قرار رئاسي بقانون لم يستشر فيه أحد _ بما في ذلك قانون التظاهرو أخطر القوانين ! _ و لم تعقب , و صمتت عن توالي تقارير الهيومان رايتس ووتش و لم تعقب , و صمتت عن توقيع الاتفاق الإطاري مع أثيوبيا في قضية حوض النيل بشكل منفرد شبه سري دون الرجوع لأحد و لم تعقب , و صمتت عن تلال من التجاوزات دون تعقيب , و لم تسترد قدرة الكلام إلا حينما ظهرت قضية ناعوت , فانفجرت الثرثرة المتزامنة بشكل هارموني بالغ الانسجام ! و سمعنا د ( سعد الهلالي ) في مداخلة تليفونية مع فضائية يستنكر حكم المحكمة بذريعة أن الشارع المصري يمتليء ب ( سب الدين ) ! و يا له من تكييف شرعي ! و سمعنا ( صبري عبادة ) يتحدث عما يسميه : ( مرونة الفكر الإسلامي ) بينما ( بوست ) ناعوت لا علاقة له بأي ( فكر ) حيث كان يقول عن شعيرة الأضحية : ( ..مذبحة سنوية تكرر بسبب كابوس أحد الصالحين بشأن ولده الصالح ) واصفة رؤيا النبي إبراهيم ( عليه السلام ) ب ( الكابوس القدسي ) ! و رأينا السيد ( حسن الأزهري ) المحامي بمؤسسة ( حرية الفكر و التعبير ) يستنكر حكم المحكمة متسائلا : ( أين صاحب الضرر من كتابة تويتة تتعلق بذبح خروف ؟! ) و هو الذي لم نسمع له صوتا بإزاء توقيف عشرات الصحفيين أو تعطيل بعض المطبوعات أو إيقاف بعض الزوايا و الأعمدة الصحفية بل و مصادرة كتب و تغييبها !
قديما عرفنا أن الصحفي الليبرالي الكبير ( أمين الرافعي ) ( 1886 _ 1927 ) كتب مقالا متحديا للقصر الذي كان يرغب في تعطيل الحياة النيابية , و حث الرافعي البرلمان المنحل على الانعقاد عام 1925 , فيما عرف بحملة نوفمبر , و هو ما تسبب في عودة الحياة النيابية . و قديما وقف الإبراشي باشا مبعوث الملك فؤاد يطالب د ( محمد حسين هيكل ) بالتوقف عن كتابة المقالات الناقدة لمسلك القصر في صحيفة ( السياسة ) التي كان هيكل يرأس تحريرها , و لوح الإبراشي بسبابته محذرا : ( تذكر أنني أتحدث باسم صاحب الجلالة الملك ! ) فرد هيكل : ( و تذكر أنت أنني أتحدث باسم صاحبة الجلالة الصحافة ! ) ما أبعد الفارق بين ( هيكل ) و ( هيكل ) , إنه الفارق نفسه بين نخبة حقيقية منتمية متصالحة مع ذاتها أولا , و بين نخبة مغشوشة ألصقت نفسها بالليبرالية و الممارسة المدنية بتلقيح الجثة و الادعاء العريض !
من جريدة المصريون
بتاريخ 29 يناير 2016
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق