الأجانب في مصر ..الورقة الملغومة !
استدعى مقتل الشاب الإيطالي ( جوليو ريجيني )( البالغ من العمر ثمانية و عشرين عاما و المختفي بطريقة غامضة منذ 25 يناير الماضي ) في مصر , جدلا ساخنا في الداخل , و دوائر هائلة من التشكك الغاضب و الارتياب في الخارج , و خرجت الزوايا و الأعمدة و التحقيقات الصحفية في كبريات الصحف الكبرى في بريطانيا و أمريكا و فرنسا و إيطاليا بالخصوص بتعليقات شديدة السخط , صبت شواظا من النار الغاضبة على رأس الإدارة المصرية , بعد أن عثر في رفات الشاب على سحجات و كدمات و آثار تعذيب ! و تثير قضية الأجانب دوما الحساسيات الاستعمارية الموروثة من قديم , بل إنها تثير أسوأ ذكريات الماضي الإمبريالي في أوطاننا و قد تثير مزيدا من الملفات الشائكة حول قدرة الإدارة المصرية الحالية بارتباكها الواضح و محدودية قدراتها بإزاء الأزمات السياسية الكبرى على التعامل الرصين الحصيف مع هذه الملفات الخارجية الكبيرة , التي لا يتساهل فيها المجتمع الدولي مطلقا , في ظل الأولوية الوحيدة على الأجندة الحالية للسلطة و هي الأولوية الأمنية التي فجرت _ بتراكم الممارسات المتجاوزة الخطيرة _ غضب المنظمات الحقوقية في الداخل و الخارج بصورة غير مسبوقة . و بغير مواربة فقد كانت دعاوى الإساءة إلى الأقليات أو الجاليات الأجنبية في المنطقة , طريقا ممهدة للاستعمار الأجنبي بكافة أشكاله و صوره . و لعل أقرب ما يرد على الخاطر , في هذا الخصوص , أن افتعال مذبحة ( مزعومة ) للمسيحيين ب ( الإسكندرية ) كانت عام 1882 سببا مباشرا لزحف الفيالق الإنجليزية على بلادنا , و بدايات الاحتلال الإنجليزي , الذي جثم على صدر مصر ما يقرب من القرن ! و لا يبعد بنا عن هذا كثيرا _ فيما يتصل بالقضية نفسها _ اللغط الذي صاحب نزوح ما يقرب من الستين ألف يهودي عن مصر عام 1956 , و كانوا يتوزعون _ بتكثيف ديموجرافي ملحوظ _ على ( الوايلي ) و ( عابدين ) و ( الجمالية ) في القاهرة , أو ( محرم بك ) و ( الجمرك ) في الإسكندرية . و هو ما تداخل _ آنذاك _ في تحليلات المراقبين مع تعقيدات الصراع العربي / الإسرائيلي , و قضية ( الآخر ) الديني أو الأجنبي في مصر .و من جديد يتفجر الملف , بتداعيات خطيرة , بعد مقتل الشاب الإيطالي , و يتفجر معه سؤال مؤرق , مؤداه : هل هناك ( جهة ما ) تصر بدهاء شديد على سحب الدولة المصرية , إلى هذه الرقعة الحساسة التي تستجلب معها _ باستفزاز واضح _ زئير القوى الكبرى و شهيتها الاستعمارية المعروفة لدس أنفها في أحشاء الداخل المصري مجددا بما يشبه التدخل اللوجستي الاستعماري المعلن ؟! و هو أمر سيخرج _ حال حدوثه _ الأمور عن سيطرة الجميع , يستوي في ذلك الإدارة المصرية و من أيد المرحلة أو عارضها ! و لعل السؤال يمتد إلى ما يقرب من ستمائة باحث أجنبي يعيشون في مصر _ بحسب إحصاءات مركز التعاون العلمي و التكنولوجي التابع لأكاديمية البحث العلمي في مصر _ وكنا نراهم يترددون بصورة دورية على مقهى ( أولدش كافيه ) على مقربة من ميدان التحرير يعكفون على مراجعهم و يتكلمون باقتضاب شديد و يتجنبون الخوض في الشأن السياسي تماما و قد زارتني في مكتبي باحثة من ( ليتوانيا ) تنتمي إلى هذه الشريحة و كانت تعد بحثا عن تطور الفكر الإسلامي في مصر . أدرك كثيرون أن ملف الإساءات المتنوعة إلى الأجانب في مصر تضخم , باطراد , ككرة الثلج و أن هنالك أطرافا في المنطقة _ مثل تنظيم الدولة الإسلامية _ تسعى إلى توظيفه لإحراج الجميع في مصر و الدفع بالبلاد إلى مرمى التدخلات الخارجية القاسية و لعل الزيارات الأمريكية المحمومة و البيانات التي صدرت أخيرا في واشنطن ليست بعيدة عن هذا الملف , فضلا عن أطراف خارجية _ على رأسها الإدارة الأمريكية بالطبع _ تسعى لتضخيم هذا الملف ضمن ترتيبات تعد بموجبها للداخل المصري سيناريو جديدا بحسب ما أرى .
أدرك كثيرون مؤخرا و متأخرا , خطورة هذا الملف و طبيعة الرمال الناعمة التي يسحب الجميع إليها , فسارعوا بالفهلوة المصرية الإعلامية المعهودة إلى التعمية على الملف و الإبراق برسائل الطمأنة الساذجة , التي لا تبتلعها الدول الكبرى , من قبيل تحقيق صحفي ساذج لصحيفة ( الصباح ) المصرية نشر بتاريخ الثامن من فبراير 2016 , يتحدث عن هيام الباحثين الأجانب بمصر و اطمئنانهم إلى أجوائها المستقرة ( تماما ) وولع الباحث الأمريكي ( سكوت لونج ) بالآثار المصرية , أو ولع الباحث الروسي ( عماروف محمد ) الذي يدرس الروسية بالجامعات المصرية بالأطعمة الوطنية و ( المحشي ) المصري الذي لا نظير له ! و كأن مراكز صناعة القرارالاستراتيجي هناك ستبتلع هذا الهراء ! و كأن روعة ( المحشي ) المصري , ستنسي الجميع ما يقرب من 239 حادثة وفاة غامضة للأجانب في مصر عام 2015 , فضلا عن تضخم ملحوظ للملف بمقتل ( السياح المكسيكيين ) بطريق الخطأ في ( الواحات ) , و ضلوع تنظيم الدولة في إسقاط طائرة الركاب الروسية _ بحسب بيان التنظيم الرسمي _ و اختطاف المهندس الكرواتي الذي يعمل بإحدى الشركات الأجنبية في مصر ( توميسلاف سلوبك ) للضغط على السلطات المصرية بإطلاق بعض السجناء ثم قتل الرهينة فيما بعد !
والمدهش في المسألة أن الإدارة المصرية تصر على العناد بمزيد من سياسة المكايدة العبثية المفضلة لديها , و هو عناد لا يبعد بنا كثيرا عن عناد ( حلمي النمنم ) وزير الثقافة الذي أصر _ تحديا للجميع _ على منح جائزة معرض الكتاب هذا العام لمسرحية ( غيبوبة ) التي رفضها الرأي العام و خصوصا أهل السويس لرسالتها السياسية المسمومة ضد 25 يناير و كأن جينات العناد و المكايدة جزء عضوي من أفراد هذه الإدارة المصرية ووزرائها ! و لا يقل عن هذا مثارا للإدهاش إصرار الإدارة المصرية نفسها على تجميد ملف ( المصالحة الوطنية ) و إبقاء حالة الاحتقان الداخلي إلى مدى زمني غير محدد , ليتعانق طرفا الكماشة المهددة لمصر داخليا و خارجيا , فيما يبدو لنا بوضوح أن الإدارة الأمريكية و تنظيم الدولة و جهات ما في الداخل , تعمل جميعا على إحراق الأرض تحت قدمي الإدارة المصرية الحالية باستغلال ملف الأجانب , بدهاء هائل . اللهم سلم !
من جريدة المصريون
بتاريخ 12 فبراير 2016
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق