منى مينا ...النبيلة في زمن الانحناء !
نجحت المدرسة الوطنية المصرية المقاومة في أن تجدد ذاتها , بمنطق التحدي و الاستجابة . و هذا هو الدرس الأكبر الذي يمكن للمتابع أن يخرج به من الملحمة الراقية التي صاغها الأطباء _ في عموميتهم المهيبة _ و هم يدافعون عن كرامتهم و ممالك مهنتهم المقدسة , فلم يكن دفاعهم مجرد فعل احتجاجي مستغلق في حزمة من الأمورالفنية التي تتعلق بأزمات المهنة المزمنة و خصوصا الرواتب و الأوضاع السيئة للمستشفيات و الافتقار إلى الحماية في وجه بلطجة المرحلة و انفلات إمبراطورية ( أمناء الشرطة ) , و إنما كان فعلهم الاحتجاجي ( مصريا ) شاملا , يستقطر أزمات الإنسان المصري و يلخصها بإيجاز بليغ , و يديرها من خلال التحرك الاحتجاجي ( المنظم ) الراقي على محورين : الحريات المدنية , و العدالة الاجتماعية , بما يتطلبه هذان المحوران من ترسيخ قوائم ( العدل ) ليتساوى الجميع أمام القانون فلا تكون ( البدلة ) الميري , هي الاستثناء الدائم / السرمدي كلما غازلتنا أحلام العدل , أو داعبنا شوق المساواة بإسقاط الفروق الإيديولوجية و اللونية و الطبقية !قدمت نقابة الأطباء كلمة السر للخروج من محن المرحلة , و الدفاع الراقي عن كرامة الإنسان مهما تكن معتقداته وولاءاته , فكان الرفض الذي اختاره الأطباء لفعل ( البلطجة ) الذي باشره أمناء الشرطة بما يشبه العربدة , حين اعتدوا على أطباء مستشفى المطرية بفجور( دون أن يتواروا بل طالبوا ( الضحية ) بالاعتذار ! ), أقول كان رفض الأطباء إيقاظا راقيا باهرا للجهد ( النقابي ) من جديد و بصورة مشرفة , خلت من الصدام الدموي المدمر أو الروح الفوضوي الأعمى , بعد أن تصور كثيرون أن العمل النقابي قد تم تكفينه ومواراته الثرى و قراءة الفاتحة أو تلاوة القداس , أمام رفاته ! قدم الأطباء جهدا نقابيا شديد الرقي و الجسارة معا , و جسدوا تمثالا مهيبا لمعنى الاصطفاف الكامل , دون أية انشقاقات أو تمايزات أنانية لا وقت لها , فكان مشهد تقاطر الألوف بشجاعة شماء أمام النقابة , لوحة هائلة من لوحات العز و الفخار . و كان من دواعي الاستبشار العريض و الأمل أن ينجح الأطباء في بلورة ( المطلوب ) بدقة و ذكاء , من خلال صياغة المطالب التسعة بقوة دون ارتعاش , برغم شكيمة المرحلة و ترسانة القوانين المقيدة , فلم يخرج الأطباء أصحاب المعاطف الأنيقة ليترضوا السلطة باستجداء مضحك بل كان دفاعهم عن زملائهم مشرفا و جسورا إلى أبعد غاية . و بلغة ( ندية ) كاملة في التعامل مع السلطة دون طبل أجوف , و أحس الشعب المصري _ على اختلاف شرائحه و طوائفه _ أن هذه المطالب هي لسان حال المهندسين و الحرفيين و الأكاديميين و الفلاحين و العمال و المثقفين و الأميين و اليمين و اليسار ! و خرج الفعل الاحتجاجي بآليات تنظيمية شديدة المهنية و التناغم , نجحت في أن تخاطب ( الداخل ) و ( الخارج ) بأناقة و جدية دون تصنع أو ادعاء أو إظهار مهارات الحناجر فحسب ! و حققت عمومية الأطباء أهدافها بنسبة فلكية , رغم تضييقات المرحلة , فأمكن عزل ( إمبراطورية أمناء الشرطة ) تماما , و تعرية تجاوزهم بلا أية رتوش ! و أعطبت آلة التبرير التقليدية للخطاب الإعلامي الموالي للسلطة دوما فنكب لسانه ب ( الخرس الكامل ) ! و أفلت الاحتجاج ( النقابي ) المهيب المشرف , من التهمتين المعلبتين الآن لأي تحفظ أو رفض : ( الأخونة ) و ( الخلايا النائمة ) ! و برغم استدعاء الوسائل التقليدية التي تباشرها السلطة في العادة و المحاولات المستميتة لرمي رموز الفعل النقابي الجديد ب ( الأخونة ) _ الكلمة السحرية التي اختارتها السلطة منذ 3/ 7 لتلافي النقد السلبي أو الرفض ! _ فأن أحدا لم يستمع هذه المرة فضلا عن أن يصدق أو يقتنع , بما يؤكد أن الشحنة المبهرة التي تمتعت بها هذه التهمة منذ عامين بسبيلها إلى أن تفقد الآن أية فاعلية أو إشعاع !
ولأن كل فعل نضالي كبير , يفرخ دائما رموزه ووجوهه , فقد نجح الفعل الجديد في أن يدفع إلى قلب اللوحة بالرائعة ( منى مينا ) وكيل نقابة الأطباء _ ضمن وجوه مشرفة كثيرة _ و كان الدفع بهذه المرأة الطبيبة بذاته دالا و بليغا . فهي الملقبة ب ( راهبة الأطباء ) , و التي تخرجت في كلية الطب بجامعة عين شمس ( قسم طب الأطفال ) , و أصرت أن تبقى في مجالها الوظيفي _ بمحدوديته المالية _ أعني العمل بمستشفيات وزارة الصحة ( ليس للدكتورة منى مينا عيادة خاصة حتى الآن ! )
ومنى مينا هي التي دافعت في ذروة ثورة 25 يناير عن فكرة المستشفيات الميدانية , و جددت داخل الثوار الأمل لإعادة بناء هذه المستشفيات في كل مرة , هدمتها الشرطة , و هي التي صرخت في وجه رائد الشرطة الذي طلب منها تسليمه المصابين من الثوار , بحسبانه شرطا للسماح بعلاجهم , فشق صوتها فضاء ميدان التحرير : ( ...على جثتي ) ! و منى مينا هي التي خرجت عام 2003 صارخة باكية في ميدان التحرير , مطالبة بإيقاف الهجمة الأمريكية البربرية ضد العراق بعد أن أسقطت صواريخ ( كروز ) الأمريكية أطنانا من حمم الموت فوق رأس بغداد ! و منى مينا هي التي طالبت بإقالة ( حبيب العادلي ) في ذروة بطشه !
و الميزة ذات الأولوية ل ( راهبة الأطباء ) , أنها هي التي أسقطت تماما دلالة الاستغلاق الطائفي أو التعصب الديني , حين طالبت _ وقت أن صمت كثيرون ! _ بالتحقيق النزيه في مقتل الشاب ( سيد بلال ) الذي تم التحقيق معه على هامش أحداث كنيسة القديسين . و هي التي تصدت بوعي و حصافة لمعزوفة التشهير بالأطباء يوم قام رئيس الوزراء ( محلب ) بزيارة ( معهد القلب القومي ) في ( شو ) إعلامي مفضوح لتلويث سمعة الأطباء و إسكات نقابتهم ملوحا بالعصا و الجزرة !
كانت كلمة السر في التحرك النضالي الهادف في تونس ما يسمى ب ( الاتحاد التونسي للشغل ) , و هو ما أكد أن أدبيات العمل النقابي الجاد هي الوسيلة الأكثر نجاعة و تأثيرا و ثقلا في الدفاع عن كرامة الأوطان . نجحت المدرسة الوطنية النضالية المصرية إذن في أن تجدد آلياتها و أدواتها في وقت ظن فيه الجميع أن الخرس هو لغة المرحلة و قدرها , و كانت المظاهر اللافتة لهذا التجديد المبدع , كثيرة أبرزها إحياء الفعل النقابي الجماعي الجديد , بلا إيديولوجيا , و بروح وطني مسؤول يخلو من أية رغبة محمومة في الرقص فوق جثة الأوطان أو إحراق الأرض . تحية عابقة بكل العطور ل ( منى مينا ) و رفقائها و رفيقاتها في نقابة الأطباء على تصدير الآمال و الدروس في الأوقات العصيبة !
من جريدة المصريون
بتاريخ 19 فبراير 2016
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق