09‏/07‏/2017

من (موت محقق) ..إلى (موت محتمل) ! ..

من (موت محقق) ..إلى (موت محتمل) ! ..




هل بات على المصريين المفاضلة بين خيارين داميين : ( الموت المحقق ) و ( الموت المحتمل ) ؟! و هل أصبح واقع التعايش مع ( الموت ) سريعا ً كان أم بطيئا َ , ( محققا ً ) كان أم ( محتملا ً ) هو معلم المرحلة و شعارها ؟! هذا هو بالقطع السؤال الأبرز الذي يخرج به المتابع _ بهلع و رعب من صورة المستقبل _ من فاجعة ( مركب رشيد ) الحزينة , أو ما فضل بعضنا أن يسميه : ( حكايات الموت ) ! غاصت سفينة الموت في قاع المياه و غيبت معها وجوها ً شابة , كانت تحلم ب ( فرصة العمل )  الساحرة في إيطاليا و قدر من ( الكرامة ) المتوقعة خارج الحدود بعد أن عزت عملة الكرامة و تبددت مساحة الآدمية داخل الحدود ! و نجا بعض المحبطين ليقصوا على مسامعنا شيئا ً من أسرار رحلة الموت _ إبحارا ً إلى أوروبا _  و الأحلام المجهضة . كان في جملة الناجين أو الموتى طلاب في المرحلة الثانوية لم ينتظروا إتمام رحلة الكتاب و الكراس و الأقلام ! و سالت الدموع التي لم تبارح مآقينا أعواما ً مع ترسخ الأزمات الدرامية الدامية في الواقع المصري المتشكل بعد 3 / 7 , و مع هذا المشهد الوطني الجنائزي , خرج ( نائب ) محترم _ ينوب عن السلطة لا الشعب ! _ ليصب جام غضبه على ( المهاجرين غير الشرعيين ) الذين كانوا يستعدون لفضحنا في العواصم الأوروبية و مباشرة الشحاذة و التسول باسم مصر ! و لم يسأل النائب الهمام _ المحسوب زورا ً على الحياة النيابية ! _ نفسه :  لماذا لم يقدم مجلسه الموقر استجوابا ً واحدا ً عن ( البطالة ) التي تنوش أجسام أبنائنا و تسحقهم تحت عجلات العوز و الاحتياج بدلا ً من حمل البخور للسلطة طول الوقت  ! ما نسبة هذه البطالة المصرية ؟ و هل المنحنى المرسوم للبطالة يتصاعد أم يهبط ؟ و ما هي الآليات و الوسائل التي اتخذتها ( المجموعة الوزارية الاقتصادية ) لتلافي مزيد من كوارث البطالة أو التخفف من تداعياتها الفاجعة ؟! و أين ( عربات الخضار ) الموعودة , التي جهرت الرئاسة بها , حلا ً محتملا ً _ فيما ترى السلطة _ لأزمات البطالة التي يعانيها الشباب ؟! أين أي شيء لإنقاذ فتياننا من الجنون و الاحتياج و طرق الأبواب وتجنب نظرات الاحتقار من الآخرين بتأثير ( قعدة ) البيت و الموت البطيء ؟ ورحم الله عليا ً ( رضي الله عنه ) حين قال : ( كسب فيه ريبة ( أي شبهة ) خير من عطلة ! )

 إذا كان ركوب مركب حديدي  أمام ساحل ( رشيد ) لا يسع إلا عشرات من الأفراد , بكثافة عددية تبلغ خمسمائة أو أربعمائة شخص _ فوق الوزن المسموح به _ أقول إذا كان ذلك ( موتا ً محتملا ً ) , فإن البقاء بلا عمل مع هذا الكواء أو الغلاء الجنوني و عمليات الانسحاق الجماعي بتأثير الأزمات الهيكلية الرهيبة في جسد الاقتصاد المصري , يمكن أن يعد ( موتا ً محققا ً ) مع تراجع القدرة الشرائية في وجه السلع الأساسية و العلاج و التعليم و تروس المرحلة الغليظة التي تطحن الجميع ! نعم هم _ بوضوح _ يفرون إلى ( موت محتمل ) في قاع المياه ,  تعاونا ً مع سماسرة  العمالة و التهجير غير الشرعي لأوروبا  ,  هروبا ً من ( موت محقق ) لن يستطيعوا أن يجدوا معه قطعة لحم أو كسرة خبز أو كبسولا ً صغيرا ً للعلاج من الأمراض أو سدادا ً لمصروفات الدراسة لأولادهم ! كلاهما موت بالمفهوم الحقيقي . هل فهمت السلطة : ( كلاهما موت ) !

نحصد _ بعداد الموت _ اثنتين و أربعين جثة غارقة , بعد فشل رحلة البحث عن فرصة عمل أوروبية في مركب ( رشيد ) الحزينة , و مازال بعض دراويش المرحلة يطرحون نظريتهم المتبلدة المسفة : ( إيه اللي وداهم هناك ؟! ..) هي ذاتها النظرية المتدنية  القذرة _ الغريبة عن الفطرة المصرية الموروثة ! _ و  التي تعاملت مع واقع الاستباحة و الموت في ( رابعة ) و ( النهضة ) و أخواتهما ! بل مع كل كوارث المرحلة المزلزلة عندما يكون الضحايا ( بسطاء ) لا ( وجهاء ) ! عندما يكونون ( سوادا ً أعظم ) لا ( نخبة ) تملك الثروة و القوة !  و لا مفر هنا من الاعتراف بأن المرحلة الحالية قد نجحت بطريقة مدهشة قائمة على غسيل المخ  في إعطاب جزء من الضمير المصري الجماعي  في مسألة الموت و الدماء تحديدا ً !

 تصل التقديرات المحلية للبطالة في مصر إلى نسبة تتراوح بين 13 في المائة و 15 في المائة , فيما تصل تقديرات البنك الدولي للبطالة في مصر إلى 25 في المائة ! و تستطيع _ بكل سهولة _ أن تعثر في مصر على كل أنواع البطالة التي تحدثت عنها كتب الاقتصاد و معاهده و مدارسه : الكلاسيكية و الحديثة , ففي مصر بطالة إقليمية و انكماشية و تكنولوجية و مقنعة و جزئية و موسمية ! سر _ إن شئت _  مع تحليلات الاقتصاد الكلاسيكي للبطالة باعتبارها ( حالة عرضية ) , أو مع تحليلات ( كينز ) الاقتصادي الشهير للبطالة باعتبارها تجليا ً من تجليات ( التقلبات الاقتصادية ) و ( بداية الكساد ) , ليكن ,فأي طريق تحليلي سيقودك حتما ً إلى مساحة مستقبل كارثي بلون الكابوس ,  فنحن بإزاء بطالة شاملة مثيرة  للوثة و الجنون , خلفت وراءها في مصر جيوشا ً من المحبطين الممتلئين غلا ً على الوطن و رغبة في القصاص منه و من أنفسهم ! و هم بالقطع يمكن أن ينتظموا مع قدح أية شرارة , هنا أو هناك , في صورة لغم كبير أو قنبلة ضخمة يمكن أن تفجر كل شيء , و تسحق في طريقها  كل حلم في دوامات فوضى إذا انفلتت فلن نعرف ثانية ( معنى النظام ) لفترة ماراثونية طويلة  قد تمتد عقودا ً !

 سماسرة  العمالة الوهمية و التسفير غير الشرعي في مراكب الموت ’ يضعون سعرا ً محددا ً : للمصري يتلقون عشرين ألف جنيه , و للأجنبي يتلقون مائة ألف جنيه , و من لا يملك المبلغ _ في التو _ يجبرونه كما فعلوا مع طالب الدراسة الثانوية الناجي , على التوقيع على إيصال أمانة بقيمة ( أربعين ألف ) جنيه ! يسددها لاحقا ً من حصيلة عمله مستقبلا ً . كان ما جرى في مركب رشيد الغارق , ( عينة دالة ) _ كما يقول الخبراء و العلميون _ لا تخص فقط شباب ( برج مغيزل ) بمحافظة كفر الشيخ , بل شريحة هائلة الآن من شبابنا باتت مقتنعة بيقين السفر و حتميته , بمثل ما باتت مقتنعة بأن مصر , غدت ( مركزا ً طاردا ً ) ! و هذه الانطباعات الشبابية المترسخة لا تبددها و تزيلها إلا إجراءات إصلاح اقتصادي ضخمة عاجلة / عادلة / باترة , لا تصنف البشر إلى ( كبراء وعلية ) من ناحية , و ( سفلة و رعاع ) من ناحية أخرى , فالجميع يتعين أن ينعموا بثروة مصر و مواردها . و يتقاسموا بالمساواة , عبء محنها و أزماتها . أين كاميرا الراحل  ( صلاح أبو سيف ) لترصد في فيلم الأحلام المجهضة و الموت , لقطة عشرات من الشباب يستقلون زوارق ثم مركبة خشبية تلف و تدور بهم عند ساحل رشيد نحوا ً من ثماني ساعات , قبل أن ينضموا إلى مركب آخر حديدي يستقل بعض المهاجرين غير الشرعيين الأجانب , ليدور الصراع بين المصريين و الأجانب فوق ظهر المركب بحمولة تراوحت بين أربعمائة و ستمائة , ثم تميل السفينة الصغيرة بحمولتها الكبيرة فجرا ً لتمتليء عن آخرها بالمياه , ثم تهوي في عمق المياه ليسبح بعض الناجين ب ( الفلين ) و يتصادم العاجزون عن السباحة _ بعضهم مع بعض ! _ ثم يتكشف الصباح عن ( مشهد مصري ) جديد لهاربي ( السفن ) يضاف إلى عشرات المشاهد ( السورية ) المماثلة ؟! هي لقطة تضاهي لقطة ( تيتانك ) ببراعة درامية كبيرة !

 لن أسأل صناع القرار : هل قرأتم تقريرا ً سياديا ً واحدا ً يتعلق بالحالة المصرية  الأحدث _ سياسيا ًو اقتصاديا ً و اجتماعيا ً و طائفيا ً _ و هي تقارير لا أشك للحظة في أنها قرأت الموقف الخطير _ بأبعاده الكارثية _ و قدمت الرؤية الصريحة دون نفاق أو تعمية , و لكن أسأل متعجبا ً : كيف لا تشمون رائحة ( الشياط ) المتصاعد حتى الآن ؟!

من جريدة المصريون
بتاريخ23 سبتمبر 2016

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق