09‏/07‏/2017

بيريز ...رفع أحد أعداء الحياة !

بيريز ...رفع أحد أعداء الحياة !




بات محتما ً علينا  معاودة الحديث , مجددا ً , في أمور حسبناها فيما مضى من الأوليات و الثوابت أو المسلمات في الضمير الوطني و العربي و الإسلامي , قبل أن نفيق على وقع صدمات متلاحقة , أحدثها الحزب المصري / العربي ( المتصهين ) الجديد , الذي يتحدث الآن علنا ً عن ( الصداقة الحميمة )  مع الطيبة الحنون ( تل أبيب ) لا ( مجرد التطبيع ) , و ( الشراكة الساخنة ) التي تتعانق فيها الأجساد بقوة , لا مجرد ( علاقة جوار نمطية ) ذات طابع روتيني !  و ينادي _ علنا ً دون أدنى خجل أو وخز للضمائر _ بوجوب رفع الستار بوضوح عن الجسور الساخنة مع الدولة العبرية : صديقة المرحلة الجديدة ! يدير  الآن الحزب العربي  المتصهين _ إذن _ معزوفة صاخبة كموسيقى ال ( دي . جي ) الغوغائية عن الفارس الوطني الراحل ( شيمون بيريز ) ( 1923 _ 2016 ) , صاحب ( الأمجاد ) الشامخة , دون أن يجيبنا فاقدو الولاء و الهوية و الضمير : ( أمجاد لمن ؟! لنا أم لعدونا الوضيع الألد الذي يتفنن في تعذيبنا بطريقة ( سادية ) مرضية تتلذذ بمضغ أطرافنا , و انتهاك عذرية أراضينا و ثرواتنا بعد أن قنع زعماؤنا الأشاوس بدور ( صبيان القعدة ) ,  الذين يرصون أحجار النارجيلة للكبار ؟! و إذا كان عدونا / التاريخي الألد يتصرف بسادية مريضة تسعد وتنتشي لمضغ الأكباد و الأطراف , فلماذا يتعين علينا أن نكون مرضى ( مازوخيين ) نسعد أونتلذذ بتلقي المهانة و ننتشي باستقبال التعذيب ؟!  )

 تلاحقت في مخيلتي , و أنا أتابع جنازة ( بيريز ) , صورة صديق قديم ربطتني به يوما ً صداقة وطيدة _ منذ الصغر _ قبل أن يتخرج و يعمل مدرسا ً بقروش زهيدة , و سافر ليغيب عن عيوننا سنوات ممتدة , و تهامس الناس في منطقتنا بأنه سافر إلى ( إسرائيل ) للعمل و الاستقرار, و في إجازة قصيرة , واجهته _ علنا ً _ بحقيقة ما يقال عنه و ما زعموا من أنه قام بتسفير والدته سرا ً إلى إسرائيل لحضور حفل زفافه هناك , و عادت المرأة لتنكر سفرها و تتلعثم أمام محدثيها مبررة غيابها ! و انفجر الصديق في وجهي : نعم ..سافرت إلى إسرائيل , و نعمت بالاستقرار في ( حيفا ) , و التحقت للعمل بمصنع كبير محترم , و تزوجت بامرأة من عرب 48 ! و نحن هناك عندما نمرض نظفر ب ( إعانة بطالة ) محترمة ! هل كنت أستطيع هنا في مصر _ حال عملي مدرسا ً / خوجة في المدارس الحكومية _ أن أدخر مليمات للمستقبل أو لأولادي ؟! و هل إذا مرضت سأجد أية رعاية صحية أو اهتماما ً ينقذني من ( البطالة الإجبارية ) ؟!  و هل كنت سأحس بكرامتي الموفورة و رأسي المرفوعة في ربوع المحروسة  ؟! نعم تزوجت من ( حيفا ) و أنجبت ولدين تجنسا بالجنسية ( الإسرائيلية ) دون غضاضة أو ضيق من ناحيتي ! كان صديقي _ سابقا ً _ يتحدث برأس  منكسة خفيضة أو بشيء من ( وخز الضمير و تأنيبه ) و بظل دموع رأيتها تترقرق في عينيه , أما لاحقا ً و بعد تطورات مؤسفة  كارثية _ في الداخل و الخارج في مرحلة عنوانها الوحيد هو الاستباحة و نزع الولاءات الكبيرة ! _ فقد أصبح صديق الدراسة القديم لا يجد حرجا ً في أن يجاهر بتجربته المثيرة إلى ( جنة حيفا ) ,و يشهر في وجوه الناس عملة ( الشيكل ) القوية , و يؤكد دون خجل أو تراجع أن رفاقه المصريين في ( إسرائيل ) _ خصوصا ً من الصعيد _   أكثر مما يتصور البعض , و أن أرقام المهاجرين إلى إسرائيل ربما كانت مفاجأة صاعقة لمن يعيشون وهم الولاءات الإسلامية و العروبية ! و ختمت آخر حوار عاصف جمعني به , بتذكيره بمجزرة مدرسة ( بحر البقر ) التي حصدت فيها الطائرات الصهيونية أبناءنا كالحشرات المتناثرة , و المجازر المتتالية من قبل الجيش الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين و العرب  ( و أوضحت له الأمر بتأصيل تاريخي مفصل )  , و كان آحدثها _ أي المجازر و الجرائم _ مأساة الفلسطينية البطلة ( هديل الهشلمون ) التي قتلها ذئاب العصر بفجور عند المعابر و تكاثروا عليها بنذالة و خسة , و صمت صديق الدراسة القديم و هو يستعيد شريط الذكريات بأسى و قامت بيننا القطيعة الكاملة منذ هذا الحوار العاصف حتى الآن !

 تحاول الماكينة الإعلامية المصرية و العربية الآن , تبييض وجه مجرم الحرب ( بيريز ) و إظهاره بمظهر الوطني المحارب و ( بابا نويل ) الطيب صاحب مباردرة ( أوسلو ) للمصالحة , في إطار عملية أوسع ل ( غسيل المخ ) و اللعب الخطير في قاموس الصداقات و العداوات و تغيير وجهة الضمير المصري و العربي بعنف ! و يبدو هنا ( المتصهينون ) العرب ( ملكيين ) أكثر من الملك , فصحيفة ( هآرتس ) تصف ( بيريز ) بأنه ( أبو الاستيطان ) و تؤكد ( هآرتس لا نحن ) , أن هذه الدموع التي يذرفها الكذابون على رحيل ( بيريز ) , هي ( دموع تماسيح ) في حقيقة الأمر ,  فالرجل الذي نبكيه بشكل مفتعل سخيف , هو أحد أهم أعضاء منظمة ( البالماخ ) الإرهابية منذ بداياتها و بداياته , و هو _ بتعبير الصحيفة _ ( صاحب شخصية متناقضة و تحوي جانبا ً مظلما ً ..) !

 بيريز أيها السادة , هو ( مجرم الحرب الذي تجاهل الغرب ضحاياه ) _ كما تقول ( ميدل إيست مونيتور ) ! _  و هو الرجل الذي ( لم ير يوما ً أن الفلسطينيين يمكن أن يقفوا على قدم المساواة مع اليهود ..! ) _ كما يقول مواطنه ( جدعون ليفي ) _ بيريز هو الرجل الذي كان يتعبد في الكنيس يوميا ً بلعن العرب و المسلمين , و مات و هو يحذر _ للحظة الأخيرة _ من ( التهديد الديموجرافي ( أي السكاني ) الخطير من قبل الفلسطينيين ! ) مع حث صناع القرار في إسرائيل , على الحد من خصوبة ( الفلسطينيين ) و إعاقتهم عن الإنجاب بأي ثمن ! عن أي رجل ( سلام ) تتحدثون أيها المغيبون ؟!

 بيريز _ تاريخيا ً _ هو الأب الروحي لمفاعل ( ديمونا ) و المشروع النووي الإسرائيلي الذي أنتج _ حسب المعلومات المتاحة _ مائتي رأس نووي , مشهرة فوق رقابنا و رقاب أولادنا , و يتسع مداها ليشمل كل العواصم العربية مجتمعة ! و هو صاحب مجزرة ( قانا ) التي عجنت لحوم اللبنانيين و عظامهم عام 1986 , و هو صاحب عملية ( عناقيد الغضب ) التي استهدفت الأبرياء و طحنت أجسادهم دون هوادة . بيريز هو الذي عمل وزيرا ً في اثنتي عشرة حكومة إسرائيلية متطرفة , قبل أن يصبح رئيسا ً لإسرائيل عام 2007 . و هو الرجل الذي رحل عن ( حزب العمل ) بعد أن رآه ( متسامحا ً ) بأكثر مما ينبغي ! لينتقل إلى حزب ( كاديما ) الذي يناسب أحلامه الدموية المتطرفة !

 مساندة هذه العقلية الدموية  المتقيحة التي رحلت غير مأسوف عليها , هي في الحقيقة  لون من الخسة , لا تقل أبدا ً عن (خسة المضمون ) في مقالة ( محمد أمين ) في ( المصري اليوم ) ( 28 / 9 )  _ تعقيبا ً على رحيل ( بيريز ) _ حين قال : ( شد حيلك يا مرسي , مات الأخ بيريز ..هل قدمت طلبا ً لإدارة السجون بحضور الجنازة الرسمية ؟! .. أم أن الأخ العزيز لم يعد عزيزا ً ؟! ..) و بقطع النظر عن ( محمد مرسي ) و أخطائه التي أوضحتها غير مرة , فلم يكن من بين أخطائه بالقطع ( التطبيع ) ! و كنت أنتظر شخصيا ً من ( محمد أمين ) أن تواتيه الشجاعة ليتحدث عن ( التصويت العلني ) لإسرائيل في الأمم المتحدة لترأس لجنة من لجانها المهمة , أو عن معبر ( طابا ) الذي تحول إلى ( معبر مناحم بيجن ) بحضور القنصل المصري .. و عن و عن !

 هي بالقطع لحظة عربية مفعمة بروح مرحلة ( ملوك الطوائف ) بالأندلس , خسرنا فيها كثيرا ً من الحكمة و الكرامة , و لولا وجود هذه العقليات الإرهابية الدموية الكالحة _ على شاكلة بيريز _ في منطقتنا لكنا الآن ننعم بالسلام و الفنون و الطمأنينة الراسخة  و الأجواء الديمقراطية الرفيعة , و لما عرفت المنظمات الراديكالية المتطرفة طريقا ً إلى حواضرنا و أوطاننا , أيها ( المتصهينون ) المصريون و العرب , لم يكن الراحل ( بيريز ) إلا واحدا ً من أكثر الخصوم فجورا ً , و لا يمكن للضمائر اليقظة إلا أن تصفه ب ( واحد من ألد أعداء الحياة ) !

من جريدة المصريون
بتاريخ30 سبتمبر 2016

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق