09‏/07‏/2017

يوسف الحسيني ..والأقلية ( الإسلامية ) في مصر !

يوسف الحسيني ..والأقلية ( الإسلامية ) في مصر !




يعاني الإعلامي ( يوسف الحسيني ) ( 1975_ ..) من أزمة نفسية ووجودية ضخمة , فيما يبدو للمتابعين ,  تضغط بثقلها على أعصابه , و تتخلل خلاياه و شرايينه ككرات الدم ! و قد بدأت هذه الأزمة الحادة في أعقاب تسريب المكالمة ( الجنسية ) الشهيرة المنسوبة له , منذ فترة قريبة ,بعد أن رأت جهات متنفذة و أجنحة فاعلة داخل السلطة ضرورة معاقبته الفورية , حين تجاوز بعض ( الخطوط الحمراء ) في تعليقه المتلفز على إحدى الفضائيات بشأن قضية ( تيران و صنافير ) ! و هنا تدحرج الطفل المدلل بعيدا ً عن حجر الرعاة و أحضانهم الدافئة , وواجه _ وحده _ سيل التشهير و الاغتيال المعنوي و سكاكين السخرية الجماعية في كرنفال الاستباحة , على الفضائيات و الزوايا و الأعمدة الصحفية و التغريدات اللاهبة على ( التويتر ) , و تواصلت _ حوله _ حفلة التشهير على الفيسبوك لأسابيع متصلة ! و كانت ( تمليصة ) الآذان من السلطة شديدة القسوة , صارمة الدلالة , لا تعرف معنى الترفق , و انحسر نجم الفضائيات المدلل إلى الظل لفترة , ليواجه مصيره مع الرأي العام منفردا ً !

 و كنت _ و ما زلت _ أتحفظ و أرفض , بشكل شخصي , اغتيال الخصوصيات لأية شخصية عامة , مهما تكن الدواعي و الأسباب , كما أرفض تسريب المكالمات الخاصة و التشهير بها في الإعلام أو الفضاء الأزرق ( الفيس بوك و التويتر ) , فهو عمل خسيس لا يرفع لقضايا النضال راية , و لا يكسب لها جولة حاسمة في كفاح وطني ممتد . و من هذا الباب رفضت حفلة الاستباحة المنصوبة له _ آنذاك _ لا اتفاقا ً مع فكره الذي أراه فجا ً و ضحلا ً ( بل غوغائيا ً في كثير من الأحيان ! ) و إنما لأن المبدأ  الأخلاقي العام لا يتعين أن يتجزأ , فلم أر داعيا ً لأن يطير الوطنيون أو الثوريون فرحا ً للتشهير الشخصي بأحد أو التلويح بعلاقات سرير أو سهرات حمراء أو مكالمات فاضحة أو نحو ذلك , و قد قال النبي ( صلى الله عليه و سلم ) : ( من ستر على مؤمن عورة فكأنما أحيا موؤودة ) . و لكن رأيت الأمر _ في الوجه الآخر من العملة _ حصادا ً مرا ً جناه ( الحسيني ) ذاته على ( نفسه ) بعد أن نصب هو مراراً حفلات استباحة وضيعة في حصصه الإعلامية لرموز كثيرة , لم يستند خلالها إلى أدلة ووثائق , و فضل أسلوب الاتهامات المرسلة ( المعماة ) , فهو يدفع ثمن طريق بدأه هو , و يسدد فاتورة ثقيلة هو نفسه الذي تهلل لها يوما ً و صفق لقوانينها الغوغائية المستبيحة ! و لأن نظرية ( الإسقاط و التعويض المعنوي ) _ المتداولة في مدرسة التحليل النفسي ل ( فرويد )  _ ليست بعيدة عن هذا المشهد , فقد كان محتما ً أن يعود ( الحسيني ) إلى الواجهة الإعلامية مجددا ً  _ كنهج تعويضي داخلي _ بعد أن ركلته بعض القوى داخل السلطة إلى منطقة الظل بمنحى تأديبي عقوبي ! و لأن ( الحسيني ) ذاق لكمة السلطة الموجعة و ركلاتها العنيفة التي آلمت خاصره الرقيق , فقد فضل أن يتكيء على ( الحائط الواطيء ) الآن _ مبتعدا ً عن الرقعة السياسية الملغومة ! _ و كان الحائط الواطيء هو قضايا الإسلام و رموزه و شعائره , و هي المساحة التي ينفخ معظم الجوقة الإعلامية في مزمارها و يواصلون عزفها الأوركسترالي , بضوء أخضر من السلطة , أو بصمت متجاهل من ناحيتها مادامت لا تؤثر في مضمون المعادلة السياسية الراهنة !

 و عند هذه المحطة , رأى الحسيني إن يعود إلى بؤرة الاهتمام , التي ركلوه بعيدا ً عنها , بموضوع جديد وجد فيه ضالته المنشودة . فقد طيرت وكالات الأنباء صورة تداولها النشطاء على ( الفيس ) لمدير مدرسة في ( الفيوم ) يؤم تلاميذه  للصلاة  بشكل جماعي في فناء المدرسة . و أسرع ( الحسيني ) إلى الرق و الدف , لينصب حفلة صاخبة , متهجمة , شديدة التطرف _ بالمفهوم اللاديني _ استباح فيها الرجل و تلاميذه باستخفاف أقرب إلى العربدة , و تهجم فيها على جزء عضوي من الولاء الديني الجماعي , بما يتجاوز الوقاحة ! ( الولاء الديني الجماعي الذي لا صلة له بكوادر و لا تنظيمات و لا أحزاب و لا جماعات )

 اتهم ( الحسيني ) رئيس مجلس إدارة المدرسة و مديرها بمحاولة ( أسلمة الأجيال ) القادمة ! و شن هجوما ً مؤسسا ً _ فيما يرى _ على حق التلاميذ في التمتع ب ( الفسحة ) ووقتها الكامل دون الاقتطاع منه بصلاة أو بغيرها ! و رد بعض المعلمين في المدرسة _ بنهج عقلاني _ بعد أن تصاعد الموضوع إعلاميا ً , مؤكدين أن مدة الفسحة خمس و عشرون دقيقة , لا يؤثر فيها اقتطاع خمس دقائق للصلاة , هذه واحدة , و أما الأخرى فمؤداها أن أحدا ً لم يجبر التلاميذ على شيء , و لكن نظرية المحاكاة و التقليد التي تحكم عقلية التلميذ و تكيف سلوكه في هذه المرحلة تربويا ً هي التي دفعت التلاميذ إلى تقليد معلميهم و ناظرهم في التوجه للوضوء ثم الصلاة ! و لمن لا يعلم فإن ماكينة حزب التجمع و ضجيجها الغوغائي المراهق , هما اللذان أنتجا هذين المصطلحين السخيفين : ( الأسلمة ) و ( المتأسلمين ) ! و لو سألت جهابذة اليسار الذين يتكتلون في المشهد كالجراد : ( ما المقصود بالمصطلحين ؟ و ما الفارق بين ( المسلم ) و ( المتأسلم ) ؟ لما استطاعوا جوابا ً !

 و لا يتعين أن أن ننسى أن ( الحسيني ) هو الفرز الإعلامي الأحدث لماكينة اليسار , التي تآكلت تروسها , و علا الصدأ مساميرها المتهالكة , بتراكم المراحل و بفعل عوادي الزمن , و تأزم الفكرة اليسارية _ منذ عقود ! _ في معاقلها و مواطن نشأتها ! لا يريد ( الحسيني ) , الحاصل على بكالوريوس الاقتصاد , و أحد وجوه الفضائية المصرية و إذاعة نجوم ( إف .إم ) و ( أون تي في ) , أقول لا يريد أن يصدق أن رصيده نفد فعليا ً لدى الوجدان العام , و أن مغامرة إيديولوجية متطرفة فاشلة تتعلق بشعيرة الصلاة أو بفريضة الصلاة , لن ترد له مجده الإعلامي الذي غرب للأبد , بعد أن خذل قضية الحريات المدنية في محطة أساسية , فكان جزءاً من لوحة الاستباحة الفاشية ( المكارثية ) , و بعد أن خذل _ قبل ذلك _  قضية العدالة الاجتماعية , قدس الأقداس للفكرة اليسارية , و هو يرى البسطاء يبكون دما ً على جيوبهم الخاوية و موجة الاستباحة التي اغتالت أرزاقهم و قروشهم الزهيدة  بعد أن داس رأس المال  المصري / ( المتأمرك ) بقدمه الغليظة فوق الجميع دون أن يهمس الرفاق اليساريون بربع كلمة !

 هزم الحسيني في معركته الأخيرة , لأن الصلاة قضية هوية و دين لا شأن لها باللغط السياسي الداخلي الذي حاول أن يتمسح به أو بالأدق يركب موجته , و كان أشد ما في ظهوره الإعلامي الأحدث , حقدا ً و غلا ً موتورا ً , لجوءه إلى بعض اللوازم الإشارية / الصوتية الفجة المقززة , حيث اندفع يطقطق بشفتيه _ بصورة متكررة ساخرة _ و هو يردد هازلا ً : ( حلاوة الإيمان ) ..( طعم الإيمان ) , ساخرا ً من مشهد المصلين في المدرسة , و متشككا َ في صدق إيمانهم أو تمسكهم بشعيرة الصلاة ! كان مشهد الحسيني في مجمله رقصة مبتذلة أخيرة , ضمنت لصاحبها الهزيمة النهائية في معركة الحرية و الوسطية و الفكر الوطني الراقي .

 لن أرد على الحسيني بأية أسانيد دينية , فهذه ليست مساحته بالقطع , و لن أذكره ببدهية أن ( الصلاة عماد الدين ) , فلا أظن أن تعليمه غفل عن هذه المعلومة , و لن أذكره بأن القضية لا صلة لها بفكرة ( الإخوان ) و ( الخلايا النائمة ) , النشيد المارشالي للمرحلة لإزاحة أية معارضة من الطريق , و لكن أذكره بأن هنالك ما يسمى في علوم الإعلام المعاصرة ب ( ميثاق الشرف ) أو Code of conduct بمعنى ( مدونة السلوك ) التي تحدد للإعلامي مناطق لياقة واجبة يتعين معها ألا يسخر من شعائر الناس و أديانهم , و هو نفسه ما أكدته توصيات اللجنة الملكية الريطانية للصحافة عام 1949 , في مواكبة  بدء النشاط الإعلامي البريطاني المهني

 و عاودت رابطة المحررين الأمريكيين في ( تكساس ) تأكيده في ميثاق الشرف الأمريكي للإعلام عام 1910 ’, فضلا ً عن عشرات المواثيق الإعلامية في العالم , و هي مواثيق مهنية تدعو دوما ً إلى عدم بث خطاب الكراهية , أو السخرية من المعتنقات و الأديان . فقد رأى ألوف من الإعلاميين مشهد المرأة الهندية و هي تنبطح تحت بطن البقرة التي تعبدها , معرضة ظهرها لاستقبال روث البقرة و بولها ! و لم يفكر إعلامي واحد في السخرية من هذا المشهد بضغط مواثيق إعلامية / مهنية يتعين أن تحترم عقائد الناس أيا ً ما كانت ! يخسر الحسيني و تخسر معه باطراد سلطة سمحت بهذا الهراء و أطلقت الضوء الأخضر بأحط موجة استباحة للإسلام تحديدا ً عرفتها مصر منذ قرون ! إنه وهم الاعتقاد بأن المسلمين في مصر غدوا مجرد أقلية خفيفة لا وزن لها فلا ضير من غمز معتقداتهم و شعائرهم , دون تحسب لأية فواتير أو أثمان . و لكن هذا الوهم في تقديري سينقشع قريبا ً بعد أن تدحرجت  المرحلة فعليا ً إلى قرارة القاع ! و يبقى سؤال أساسي للأزهر ووزير الأوقاف د / ( مختار جمعة ) الذي صدع رؤوسنا يوميا ً بتصريحاته المستفزة بسبب و بدون سبب : هل ستردون على الحسيني أم ( نعمل من بنها ) كما يقول أولاد البلد ؟!

من جريدة الصريون
بتاريخ09 أكتوبر 2016

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق