09‏/07‏/2017

السيد ياسين وعبد الحليم قنديل.. الحرية المؤجلة!

السيد ياسين وعبد الحليم قنديل.. الحرية المؤجلة!





كان القدر _ وحده _ هو الذي قيض لي أن أشهد ندوتين منذ شهرين تقريبًا، لا تفصلهما إلا فترة زمنية يسيرة للغاية.. وكان موضوع الندوتين واحدًا: (قراءة في المشهد المصري السياسي الراهن).. وكان القدر نفسه هو الذي جعلني قاسمًا مشتركًا في إدارة الندوتين؛ حيث حل في الندوة الأولى ضيفًا أساسيًا على المنصة الكاتب المعروف (السيد ياسين): أحد أهم المنظرين للمرحلة الراهنة على المستويين: السياسي والفكري، فيما حل ضيفًا أساسيًا على الندوة الثانية الكاتب الصحفي المعروف (عبد الحليم قنديل)، الذي عرف بمواقفه السياسية المشاكسة للأنظمة عبر عقود.. كانت الندوتان كفيلتين بتأكيد الحقيقة التي رسخت في نفسي منذ ما يشارف السنوات الثلاث؛ أن هذه النخبة الثقافية استنفدت كل شيء، وأفلست في الرؤى الوطنية والفكرية للخروج من الأزمة المصرية المستحكمة، إلى الحد المرعب الذي يدفعنا إلى ضرورة أن نشهر لها (الكارت الأحمر) _ بتعبير (قنديل) في كتابه الشهير حول (مبارك)! _ للرحيل الفوري عن خشبة المسرح السياسي، والنزوح بعيدًا عن دائرة الفعل السياسي، بعد أن أنتجت رؤيتها _ شديدة العقم والعوار! _ واقعًا سياسيًا مسدودًا، خربًا حتى العظام! والمدهش أن شريحة فاعلة من هذه النخبة ما زالت تتعاطى حالة الإنكار (الترامادولي)، ولا تريد أن تصدق أنها صارت فعليًا خارج المشهد، وأن القسم الغالب من الرأي العام قد لفظ رؤاها الكسيحة وحضورها العقيم وتنظيرها الكارثي القائم _ في جوهره _ على الفاشية والإقصاء وإرباك الأوراق أمام الحاكم والمحكوم! والمدهش _ بالقدر نفسه _ أننا في كل مرة كنا نقدم المرآة الزجاجية الكاشفة لهذه النخبة لترى ملامح وجهها على حقيقته كما هو _ لا كما رسمه الكبر والنرجسية المتورمة _ فكانت نخبتنا المبجلة تطل علينا مجددًا من أبراج غرورها وصلفها الشديد لتهشم هذه المرآة الصادقة، مفضلة أن تمضي في طريق السراب وتصدير الأوهام ومزيد من انسداد الأفق السياسي لمصر!

استطاعت الأرجنتين _ بنخبة واعية مسئولة يقظة الضمير _ أن تتجاوز سنوات الوغد المتسلط (خورخي فيديلا)، الذي قادها بحماقة إلى أعلى منحنيات القمع والتسلط والإفلاس الاقتصادي الكامل، بطرح مشروع (العدالة الانتقالية) _ في فترة (راؤول ألفونسين) عام 1983 _ حيث تم إقرار الانفراجات والمصالحات الوطنية الجادة، الرافضة لأي إقصاء، وتم تشكيل لجان الحقيقة والمصالحة لتتبع كل الانتهاكات الحقوقية لتتعامل معها المؤسسات المختلفة، بالمساءلة القانونية العادلة والحرص على ما يسمى في أدبيات السياسة بـ (جبر الضرر) وتعويض الضحايا تمهيدًا لإنهاء حالة الانقسام المجتمعي.. ونجحت الأرجنتين بنموذج سياسي باهر، مازالت ثماره الناضرة تتابع حتى اليوم.. وعلى الطريق نفسه مضت (جنوب إفريقيا)، لتنهي أربعين عامًا من التمييز العنصري والعنف الدموي، الذي نشر الموت في ربوعها بوتيرة مخيفة، فابتكرت _ بإلهامات نخبتها الجديدة _ نموذجًا عبقريًا للعدالة الانتقالية، مازالت القارة السمراء تفاخر به حتى الآن، حيث تشكلت لجان الحقيقة والمصالحة التي قادها (نيلسون مانديلا) والقس (ديزموند توتو)، وأجرت اللجنة تحقيقات نزيهة شفافة مع أهالي اثنين وعشرين ألفًا من ضحايا العنف الأسود، ومضت جنوب إفريقيا في طريق الديمقراطية والإدماج السياسي للجميع _ دون تمييز _ وجبر الضرر للضحايا والانفراجات الوطنية المشرفة التي تنفس الجميع معها الصعداء!

ولم يمض قطار العدالة الانتقالية والمصالحات الوطنية الجادة والانفراجات الديمقراطية الكبيرة، بعيدًا عن المملكة المغربية الشقيقة، التي شكلت عام 2004 ما عرف بـ (لجان الإنصاف والمصالحة)، لترسيخ خطوات الديمقراطية واحترام الحقوق والحريات، بنموذج مغربي جديد للعدالة الانتقالية، تقصى كل الانتهاكات الحقوقية من عام 1956، حتى عام 1999، ونجحت اللجنة التي شكلها الملك (محمد السادس) في وضع المغرب على طريق الانفراجات الوطنية والتعافي الديمقراطي الكبير.

وحدها نخبتنا المصرية ظلت ترقص في الفراغ وتحارب طواحين الهواء، وتصدر الأوهام دون أن تراوح مكانها _ رغم كارثتها المحققة بإفشال المسار الثوري وتهشيم نموذج التعايش الديمقراطي الذي أمله الجميع _ فعادت تقرع دفوف الإقصاء، وتغري بالتطاحن الداخلي، وتصدر الخطاب التحريضي العفن نفسه، القائم على الإقصاء والاستباحة! واستجابت السلطة لسحر إلحاحها الأسود، وصدقت شريحة مغرر بها من الرأي الشعبي العام مع وسواس هذه النخبة أن الإقصاء يمكن أن يكون حلًا، وأن المطواة (الباترة) يمكن أن تكون دواء، وأن الاستباحة لفصيل بعينه _ أو حتى للجميع بستار هيبة الدولة! _ هو الطريق الملكي للرفاهية وتبديد الأزمات! وتراكم حصاد الانتكاسات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية وتأزمت الأمور _ حد الاختناق _ وهذه النخبة لا تريد أن تغير مسارها، أو تعترف بخطئها، أو حتى تغرب _ في صمت _ عن المشهد ليتمكن الشعب _ بإلهامات نخبة جديدة _ من التنفس والرؤية الصحيحة لطريق الخلاص.

ظل (السيد ياسين) في الندوة الأولى يتحدث إلى جواري نحوًا من الساعة والنصف، مشرقًا ومغربًا بين أمريكا واليابان والصين وروسيا وبطش الطبقة الرأسمالية في مصر، وغاب عن حواره الذي استمر مدة ماراثونية كلمة واحدة لم تأت على لسانه، ولا في ورقته البحثية التي تلاها على مسامعنا، لم يذكر الرجل كلمة (الحرية) ولو مرة واحدة! !

وفي الندوة الثانية التي عقدت بنقابة الصحفيين لمناقشة تحولات ما بعد ثورة 25 يناير، وكان لي حظ إدارتها، بحضور نخبة كبيرة من الساسة والأكاديميين والمبدعين، مضى (عبد الحليم قنديل) إلى جواري متحدثًا بذات النهج التحريضي، القائم على شحن النفوس وتعكيرها بقوة نحو (الآخر) دون أن يقدم حلولًا من أي نوع، اللهم إلا حلًا وحيدًا _ يراه حاسمًا! _ وهو إنشاء حزب سياسي معبر عن الثورة! منذ متى كان إنشاء حزب معين حلًا لأزمات هيكلية تتعلق بالحريات والعدالة الاجتماعية؟

تحدث (قنديل) عن استمرار ظاهرة القطط السمان _ رأس المال السياسي الفاجر _ وأن (الأتوبيس المصري) _ بتعبيره! ! _ لم يعد يتسع لرجال مبارك ولا التيار الإسلامي، الذي طوح به الشعب المصري _ بتعبيره أيضًا! ! _ من النافذة! ومضى قنديل بصوت مجلجل في القاعة مطالبًا الشعب المصري بأن يلغي فصائل كبيرة من بين أظهره بـ (جرة قلم) حتى يتعافى! ! واستطعت أن أقرأ استياء شديدًا في عيون الحضور من لهجة التحريض، والتكريس لواقع الاستباحة والاستغراب من نخبة لم تتعلم من المطارق التي هوت فوق رؤوسنا في السنوات الأخيرة درسًا واحدًا! وامتد حديث قنديل نحو الساعة والنصف وغابت عنه _ كالعادة! ! _ الكلمة التي باتت النخبة تبغضها لسبب غير مفهوم، وهي كلمة: (الحرية)! وحاولت في تعقيبي أن أوضح أن الشعب المصري قد يكون في هذه اللحظة باحثًا عن شيء آخر، غير الإقصاء أو التطويح بأحد من النافذة _ بتعبير قنديل _ أعني روح المصالحات والانفراجات الوطنية، وإعادة رفيف الحرية، وسقف الدعم الاجتماعي مجددًا لتوفير وقوده ولقمة خبزه ومسكنه!

مجددًا تثبت نخبتنا _ بلا رتوش _ أنها صانعة الأزمة الكبيرة للحاكم والمحكوم، وأن إيمانها بالحرية وهم من الأوهام، وأن اعتقادها في ضرورة العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة بإنصاف مجرد قناع خارجي، تضعه على وجهها لتخفي (هتلر) المختبئ تحت جلدها، وتخفي معه حالة تعايش آثم مع نموذج الرأسمالي الشره، الذي يريد أن يبتلع كل شيء، دون وخز ضمير!

من جريدة المصريون
بتاريخ03 فبراير 2017 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق