الأزهر يستعيد مجددا ً زئيره القديم ..!
كان بيان الأزهر _ بشأن ماعرف إعلاميا ً بأزمة ( الطلاق الشفوي ) ! _ مؤشرا ً كاشفا ً باستعادة أهم مؤسسة دينية في العالم السني ، مساحة معتبرة قوية من استقلالها و تميز رؤيتها ، و جسارتها في إبداء الفتوى و ترسيخ الخطاب الديني الوسطي ، الذي ميز هذه المؤسسة منذ انطلاقتها الأولى ، منبرا ً و جامعا ً و جامعة ، و قد يكون ( البيان الخاص بقضية الطلاق الشفوي ) _ و هو البيان الذي أيده بقوة " مجمع البحوث الإسلامية " _ مقتضبا ً أو محدودا ً بقضية جزئية ، و هي قضية وقوع الأثر الشرعي للطلاق الشفوي ، دون اشتراط الإشهاد أو التوثيق ، أقول قد يكون هذا البيان متعلقا ً بقضية اجتماعية بعيدة عن ( المناطق الملغومة ) ، التي يمكن أن تثير خلافا ً ضخما ً مع السلطة _ أية سلطة _ غير أن ما لوحظ من ثبات المؤسسة و قوتها في إبداء رأيها ، في مواجهة الخطاب الرئاسي ، المتبني لقضية " عدم وقوع الطلاق الشفوي " ، كان من شأنه أن يؤشر بقوة على ( روح جديدة ) واضحة الجسارة ، تصبغ عمل المؤسسة الأزهرية ، في مرحلتها الأحدث ، و هي المؤسسة التي اتهمت كثيرا ً في السنوات الأخيرة بممالأة الحكام ، و شرعنة سياساتهم _ بشكل مطلق _ و تبرير ممارساتهم ، أيا ً ما كانت ! و هو ما يؤشر أيضا ً على ما يشبه أن يكون ممارسة من ضاق ذرعا ً بالتطويق أو تضييق الخناق أو الضغط المؤسسي الرسمي و الإعلامي ، الذي تجاوز كل الحدود ، ، لإجبار هذه المؤسسة على ( التدجين و الطواعية التامة و الانقياد دون مساءلة ) !
و لم يفت المراقبين ان يلاحظوا أن بيان الأزهر _ و فيما يشبه أن يكون مغمزا ً ضمنيا ً للخطاب الرئاسي ، الذي أقحم نفسه فيما لا يجيد أوفيما لم يؤهل له ! _ قد اختتم رؤيته الشرعية في البيان ، بالدعوة إلى ما أسماه : " .. صرف الجهود إلى حل مشاكل الناس .." ، و هو ما لا يبعد بنا كثيرا ً عن صيغة أخرى _ مفهومة ضمنا ً _ مؤداها أن على المؤسسات المختلفة في الدولة المصرية ، بما في ذلك مؤسسة الرئاسة ، أن تصرف اهتمامها إلى ما تجيده فقط ، و ألا تقحم ذاتها في عمل الآخرين و صميم اختصاصهم الذي يجيدونه بحكم التأهيل الشرعي الصحيح و رصيد الخبرة الفقهية ! و هو ما يحمل أيضا ً ما يشبه أن يكون عتبا ً مستترا ً للسلطة بأنه من الخير لها أن تصرف الاهتمام إلى أزمات المجتمع المصري المعيشية ، التي بلغت بسبب الإخفاق و سوء التقدير من قبل صناع القرار ، حدا ً خانقا ً ، أشبه ب ( ضرب الفقراء بقسوة في الخلاط ) ! و في تقديري أن السلطة لم تتصرف بأية كياسة ، فقد فهمت _ بطبيعة الحال _ غضبة الأزهر المقروءة بوضوح شديد _ حتى للأعشى و غير المبصر ! _ فلم تبتلع الموقف ، و لم تقم بتمريره بحصافة تحفظ للأزهر خروجه المشرف من الأزمة ، بل عادت مجددا ً إلى عادتها القديمة بتبني السياسات ( الكيدية ) القائمة على الاستفزاز و إشعال الأزمات ، و البعيدة عن روح التهدئة و التمهيد للانفراجات و المصالحات الوطنية ، فتم إبعاد شيخ الأزهر عن الظهور في كادر ( الندوة التثقيفية ) ، في لقاء ( السيسي ) الأحدث ، و تم الدفع ب " الجفري " ليتصدر الواجهة ، و لم يتم الدفع حتى ب " أسامة الأزهري " ذرا ً للرماد في العيون أو استبقاء لشعرة " معاوية " مع المؤسسة الدينية الأهم في العالم الإسلامي كله !
و كان الدفع ب " الجفري " في تقديري مداواة للجرح النازف بحشوه بالملح ، ليتضاعف الألم لأن الجفري بما يمثل من توجه فكري و فقهي _ هل أقول و " طائفي " ؟_ هو أبعد ما يكون عن روح المؤسسة الدينية المصرية ، التي عرفت بالاعتدال و الحاضنة الفقهية و المذهبية الجامعة الوسطية ، المتسمة بالتثبت من العلم الشرعي الصحيح . و جاء أداء الجفري بدوره كيديا ً _ بروح العدوى _ يشبه " حرق البخور " بما حداه إلى العصف بكل ثوابت التاريخ و المنطق الصحيح في الخطاب و معالجة الأمور ، حتى مع التستر خلف القناع الوطني الكثيف !
و جاء بيان الأزهر _ من وجه آخر _ مسئولا ً لا يفتعل الأزمات ، إذ لم يمانع في بيانه من أن يتخذ " ولي الأمر ما يشاء من العقوبات التعزيرية الرادعة على من امتنع عن التوثيق لاحقا ً.." .
كان بمقدور الكثيرين أن يشتموا في بيان الأزهر الجسور الأحدث ، ما هو أكثر من أزمة مع المؤسسة الرسمية في مصر ، إنه العودة لروح الأزهر التاريخية ، الصامدة الحاضنة لكل المصريين ، على نحو ما فعل " المراغي " بتقديم استقالته عام 1929 ، حين ناوأه الملك " فؤاد " و رفض إصلاحاته التجديدية ، أو على نحو ما صنع " محمود شلتوت " بتقديم استقالته هو الآخر عام 1963 ، حين فكر " عبد الناصر " في تجاهله و تهميشه . و لم يتورع " شلتوت " أن يشير في نص استقالته إلى أن سياسات " ناصر " حيال المؤسسة الأعرق قد " .. مست كيانه و صدعت بنيانه .." !
و يمكن للمراقب أن يرى في السجال الأحدث بين الأزهر و السلطة ، شبه محاولة للخروج التاريخي من حضانة قانون تطوير الأزهر ( الكارثي ) ( القانون 103 لسنة 1961 ) ، و هو القانون الذي أجهض أوقافه و قضى على استقلاليته بالكلية ، و ظل الأزهر _ عبر سنوات _ يجتهد في استعادة أمجاد عمامته المهيبة التي شاركت في حركة عرابي ، ثم في ثورة 1919 ، و في كل مواقف النضال الوطني الشريف .
و لو انتفض المستشارون الحكماء _ داخل مؤسسة الرئاسة _ لتنبيه المؤسسات الرسمية المصرية المختلفة إلى حيوية الدور الأزهري المنشود في إقرار المصالحات و الانفراجات الوطنية القادمة ، باستثمار خطوته المستقلة الجديدة الجسور ، لكان هذا أدعى إلى وضع عجلات القطار المصري على طريق التعافي الصحيح باعتبار الأزهر أبا ً شرعيا ً صالحا ً للمصالحات القادمة التي من شأنها نزع فتيل الاحتقان ، الذي اختنق معه الجميع ، فهذا بالتأكيد سيكون أجدى من الدفع ب " الجفري " أو الاستجابة لتأوهاته التي لم تقنع أحدا ً !
من جريدة المصريون
بتاريخ17 فبراير 2017
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق