09‏/07‏/2017

محمد الغزالي في ذكراه : البطولة التي رحلت ..!

محمد الغزالي في ذكراه : البطولة التي رحلت ..!





كلما رأيت داعية ديكوريًا أجوف، ينبطح أمام قيادة سياسية دون منطق أو كرامة، تذكرت الراحل الكبير (محمد الغزالي) (1917 _ 1996) الذي كان زئيره في مواجهة الطواغيت ينفذ في قلوبنا ويستوطن منا صميم الوجدان.. وكلما رأيت عقلًا فقهيًا ضحلًا يصفع الناس بقياس فقهي هش، فيقيس مشكوكًا فيه على مشكوك فيه، أو يقيس غموضًا على غموض فيخرج بفتاوى عجيبة تثير السخرية أو الشفقة، تذكرت الغزالي بأقيسته الفقهية المتوردة العميقة، التي تستجيب للنص والواقع بصورة أنيقة راقية. وكلما رأيت وجهًا دعويًا كالحًا، يكشر في الوجوه ويمضي في طريق الحظر والتشديد _ وحده _ كأنما يعيش زمانًا غير زماننا، وكأنما يحبس النص بين دوائر التحريم وحدها، دون (رخصة من ثقة) _ كما يقول (سفيان الثوري) _ تذكرت الغزالي وهو يشع عمقًا ووسطية وبسمة بشوشًا تأسر القلوب. وكلما سمعت داعية محدود الثقافة والفهم، يستميل شريحة من الناس بتسطيحات شديدة الضحالة، ويثير جزئيات صغيرة في إغفال تام لمقاصد الشريعة الكلية، تذكرت الغزالي الذي كان يتحدث فينفتح في وعي المستمع، عشرون كتابًا دفعة واحدة في الفقه والتاريخ وعلم النفس والإعلام والسياسة والاقتصاد.
وكلما سمعت عالمًا يتعثر في النطق والخطأ اللغوي الساذج الذي يستهين بقواعد النحو والصرف ورصانة التكوين العربي للجملة والعبارة، تذكرت فصاحة الغزالي، التي كانت تتخايل بالحروف وتعتز بمخارج النطق وتصنع من الجمل العربية سلاسل من ذهب
وكلما رأيت الخوف، المثير للرثاء، يسكن وجوه بعض الدعاة وهم يمارسون إكروبات بهلوانية، لإنقاذ الحكام من الإدانة الشعبية بأي ثمن، بفتح ماكينة التبرير الشرعي _ دون توقف! _ لمنح العصمة للقيادات السياسية وحدها، ونقل الشجب والمسئولية عن الفشل السياسي والاقتصادي إلى الشعب فقط باعتباره (مجرمًا أوحد) تذكرت الغزالي وهو يشد قامته باعتزاز، ويخاطب الجميع بثقة، ويصب شواظًا من نار على أنظمة الحكم الشمولي، دون أن يكون وراءه حارس شخصي، أو (بودي جارد) يصد عنه أية اعتداءات!
وكلما سمعت داعية يحرق بخورًا للعلية والكبار، أو يباشر خطابًا تحريضيًا مجرمًا لاستباحة المعارضين والخصوم، وتكميم الأفواه وفتح الطريق أمام الحكام للتسلط والقسوة الجاهلة في البطش بالجميع، تذكرت الغزالي وهو يثمن الدماء غاليًا ويعتد بالإنسان، حرية وكرامة. وأعجب كيف لمن مضى يقول للناس: ".. طوبى لمن قتلهم وقتلوه..".. مسقطًا النص على قياس فاسد، فيفتح بابًا داميًا للاستباحة والتصفية الجسدية لم تعرفه مصر يومًا، أعجب كيف يستطيع النوم حتى الآن، أو دخول الاستوديوهات مرة أخرى بعد ان تسبب _ بالفتاوى المهلهلة الموتورة الموجهة بـ"الريموت كنترول" _ في شلال من الدماء الزكية لشباب في عمر الزهور، فأغرى الحاكم والمحكوم بمخاطرة دموية آثمة، بددت السلم الأهلي وفتحت قنوات اللهيب والموت على مصر وكان بمقدورنا بشيء من السماحة الأبوية والفهم والعلم الصحيح والمسئولية منذ البداية تجنب الخوض في هذه البركة الدامية!
أثارت جماهيريته _ ومازالت! _ أحقاد الصغار وهم يرون قامة عملاقة، ممتلئة علمًا، تتصدر المشهد دومًا ولا تنتظر من حاكم متعجرف أو رأسمالي متسلط، عطية ولا منًا ولا سلوى! قدم الغزالي للمكتبة الإسلامية ما يقارب خمسة وخمسين كتابًا، لم تترك موضوعًا مهمًا أو قضية مركزية لم تقتحمها بالنقل الصحيح والعقل الراقي.. وبدأ معركته عام 1949 بكتابه القيم: "الإسلام والاستبداد السياسي" يوم ركن ليبراليون كبار إلى الظلم ومضوا في طريق الوثنية السياسية الرديئة، وواصل معركته بكتاب: " الإسلام والمناهج الاشتراكية " فأطلق القذائف القوية في وجه الإقطاع ورأس المال الفاجر يوم ركن يساريون كبار إلى دغدغة غرائز الرأي العام بالشعارات والخطب العصماء المعزولة عن الواقع فيما يرتمون فعليًا في حضن رأس المال ويفتحون أشداقهم الجائعة لفتات مائدته وبقايا طعامه!
تعرض الغزالي _ عبر تاريخه الناضر _ للحملة الإعلامية تلو الحملة، وللهجوم التشهيري تلو الهجوم، في مصر والجزائر وقطر والسعودية، من خندق الفكر اللاديني المتطرف، أو من خندق الفكر النصوصي المستغلق دون فهم الواقع، فلم تزده الحملات الضارية إلا صلابة، ولم تزده الهجمات الموتورة إلا إصرارًا على مواصلة طريق صعب، باهظ الكلفة والثمن، لم يطرقه إلا قلة نادرة، تعرف جيدًا ثمن المواجهة!
كانت ألسنة الحقد الأسود تقترب من عمامته، من قبل اللادينيين والنصوصيين الحرفيين على السواء، فلم يتراجع إلى الوراء بوصة واحدة، وقد رأيت داعية سلفيًا شهيرًا منذ أربعة أعوام، يشن هجومًا ضاريًا على الغزالي باعتباره " ضعيف العلم لا يتحقق من النص. ! " ورددت على الداعية ضمنًا في إحدى الحصص الإعلامية، وبدأت أتحفظ _ منذ هذه اللحظة _ بإزاء خطابه الدعوي المضلل، المسكون بالأحقاد!
وبشيء من حركة الخيال الفانتازي، كنت أسأل نفسي: ماذا لو كان الغزالي حيًا بين أظهرنا بعد 25 يناير، هل كان المسار الثوري سيرتبك كل هذا الارتباك ويتشتت في الأودية بهذا الترنح، أم كان سيعرف (رأسًا مخططًا رصينًا) يضع أقدامنا على طريق التعافي الديمقراطي الذي يصنع عقدًا اجتماعيًا لكل الأطياف بلا استثناء، ويفضي بنا إلى العدالة الاجتماعية التي تصل بالرغيف إلى كل قرية ونجع؟
أتذكر له آخر خطبة عيد سمعتها، وهو يهز أعواد المنابر بقوة رغم عدم مواتاة الصحة وسنوات العمر العجوز، وكأني به هو الشاب المتمرد القوي الذي قاد تمردًا ضد إدارة معتقل (الطور)، قبل عقود حين قادته مواقفه السياسية والفكرية إلى ظلام السجون يومًا! كان له بكل كتاب معركة وبكل خطوة فتح فكري جديد في مساحة بكر لم يخطر فيها غيره.. وحين انفتحت جيوب التزمت لم يتراجع طلبًا لشهرة زائفة أو جماهيرية فارغة، أو طلبًا للسلامة بل مضى يواجه اتجاهًا فكريًا له قدر من المساندة الشعبية الكبيرة، فوضع كتابه: "السنة النبوية بين أهل الفقه والحديث"، وهو الكتاب الذي جاوز أربع عشرة طبعة، وتوالت الردود عليه، بعلم أحيانًا وبتوقح أجوف في كثير من الأحيان
وكان مشهد الرحيل في مهرجان "الجنادرية" بالسعودية مهيبًا دراميًا، مجللًا بالأناقة والكرامة.. ما أسرع ما تمضي الأيام، عشرون عامًا على رحيله، وما زال موقعه شاغرًا لا يسده أحد، وما زال ترجيع صوته وأصداؤه المهيبة تملأ أسماعنا، وما زالت خيوط الحزن النافذ لرحيله تمتد في الوجدان، كأنما رحل بالأمس القريب، رحمه الله قدر ما بذل من جهد، وكفاء ما قدم من عطاء.

من جريدة المصريون
بتاريخ10 مارس 2017 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق