09‏/07‏/2017

فرنسا ..القذارة تلبس قفازا !

فرنسا ..القذارة تلبس قفازا !




رداً على ( رحلة الدم ) : .. ثلاثة مسيحيين أنصفوا الفتح
تأملت طويلا في زيارة ( فرانسوا أولاند ) (1954 _ .. ) إلى مصرمؤخرا , من حيث التوقيت و المحتوى و الأهداف , فلم أهتد في النهاية إلا إلى صورة متدنية من صور النذالة الفرنسية الظاهرة  التي لا تحمل أية قيمة و لا تؤسس على أي خلق و لا تعنى بأي مبدأ , خلافا للهالة البراقة المبهرة التي دأبت النخبة المثقفة في مصر على رسمها لفرنسا التي احتضنت البعثات و تألقت بالأدب و الموسيقى و المسرح , و بشرت دوما بمباديء الثورة الفرنسية , حرية و إخاء و مساواة ! و الحاصل أن ( أولاند ) جاء إلى القاهرة تاجرا أو ( مقاول أنفار ) _ بالتعبير الشعبي _ مصحوبا بزفة قوامها أربعة و ستون مستثمرا لامتصاص مصر إلى آخر نقطة و اعتصار خزانتها إلى آخر مليم و ابتلاع ثرواتها المتاحة الباقية إلى آخر قطعة لحم ! و كان آخر شيء يفكر فيه مقاول الأنفار , الممثل لقصر الإليزيه , هو السلم الأهلي المصري أو التطور الحقوقي في مجال الحريات المدنية أو العدالة الاجتماعية أو التفكير ( مجرد التفكير ! ) في حلحلة الأزمة المصرية المستحكمة سياسيا , بل طمح رجل الحزب الاشتراكي الفرنسي القديم , و الرئيس رقم أربعة و عشرين لجمهورية فرنسا , ( الرئيس السابع للجمهورية الفرنسية الخامسة ) , إلى استغلال الأزمة المصرية العاتية أو ( المعجنة ) التي تطحن الجميع للخروج بعقود تجارية , يواجه بها شعبه الناقم و ينقذ بها جماهيريته المتهاوية التي وصلت بها الاستفتاءات الفرنسية الأحدث إلى الحضيض ! مضى ( أولاند ) ليمارس كالحواة لعبة الورقات الثلاث في مصر و الأردن و لبنان , محاولا ممارسة أكبر ضغط على السلطة السياسية المأزومة في مصر , فضلا عن ضغط مماثل على الشعب المصري المطحون في خلاط الأزمات السياسية و الاقتصادية المرعبة , للحصول على أفضل اشتراطات لعقود تجارية تحرك المصانع الفرنسية الراكدة و تضمن منافذ مرور جيدة للشركات الفرنسية الساخطة على حكمه _ و خصوصا شركة ( إنجي ) للطاقة _ مستغلا ضعف سلطة  مصرية أنهكتها المواجهات و حاصرتها دوائر الأزمة إلى حد الاختناق , و معاناة شعب يعاني مع سلطته  سياسيا و رغيف خبزه كما لم يعان من قبل !

 مضى ( أولاند ) يرضي المستثمرين الفرنسيين بضمير متبلد لم يأبه لأية ملفات حقوقية أو أزمات مصرية وضعت الوطن على حافة حد مسنون خطير غير مسبوق , وواصل ( أولاند ) الضغط على السلطة المصرية فيما يشبه ( الستربتيز ) العلني , عارضا الدعم السياسي المشروط و المثمن بالثمن المناسب الذي قدرته ( باريس ) وحدها , و شرع ( أولاند ) _ بالتبلد نفسه _ يعد أوراق البنكنوت المعتصرة من دماء الوطن المصري ! لم يتصرف الرجل الذي أطاح يوما ما بمنافسه : ( نيكولا ساركوزي ) , بوصفه زعيما لدولة عظمى ذات إطار حضاري ريادي كان يمكن أن تلعب دورا وساطيا راقيا في حلحلة الأزمة المصرية  , بل تصرف بوصفه ( مقاولا ) نذلا وريثا لآلة استعمارية خسيسة , عرفنا نذالتها و خستها و تأكدنا منهما في الوطن العربي ( و خصوصا الجزائر و مصر ) , اختار ( أولاند ) توقيتا عجيبا , وصلت فيه العلاقة بين السلطة السياسية المصرية و شعبها إلى أسوأ المنحنيات و أكثرها تأزما , و أبصر الرجل بمساحة الجرح المتقيح بوضوح , و فضل في الخيار الأخير _ بانتهازية يخجل منها الشيطان نفسه ! _ أن ينكأ الجرح بمثقاب حديدي في يده مواصلا الضغوط في غير ترفق , فاعتصر من دماء الوطن المصري و جراحه الغائرة عقودا بملياري ( يورو ) و ثلاثين اتفاقية و إعلان نوايا و مذكرة تفاهم ! و لم يهتز الضمير الأخلاقي الفرنسي قيد شعرة لأية انتهاكات حقوقية  _ بما في ذلك قضية ( ريجيني ) _ فقد كان جل همه أن يستغل لحظة ضعف مصرية غير مسبوقة ليبتز أطراف الأزمة و يتربح من عجلاتها الطاحنة , و تساءلت هنا بصدق : كيف سينظر هذا الرجل المسخ إلى صورته في المرآة بعد أن يعود إلى بلاده ؟ ! و كيف سنستطيع نحن _ مع هذه النذالة الفرنسية المشهودة غير المحتملة _ أن نحتفظ بحبنا الحالم لمسرح ( موليير ) و قصائد ( أراجون ) و روايات ( كلود سيمون ) و رؤى ( جان بول سارتر ) و ( كلود ليفي شتراوس ) ؟! هل أراد الرجل الذي صدر للاقتصاد الفرنسي أزمات هيكيلية تتعلق بعجز الميزان التجاري و تضخم الدين الخارجي و بطالة تجاوزت عشرة في المائة , أن يحل أزماته من عظامنا المتبقية ؟! و كيف سيجرؤ في أي محفل أن يتفوه بكلمة ( حريات الشعوب ) بعد الآن و بعد نذالة مماثلة باشرها في سوريا بالحديد و النار ؟!

 ظهرت , هنا , بوضوح حلقات التلاحم بين ماض استعماري فرنسي ممعن في الخسة فضحته رسائل ( مونتانياك ) , حيث ذبح أباطرة الجيش الفرنسي الجزائريين و تلاعبوا برؤوسهم المقطوعة عند جبال الأطلس و لم يخجلوا أن يوثقوا لهذا الإجرام في طابع بريدي , و بين حاضر فرنسي أشد خسة عاود ممارساته السادية القديمة في مصر و العراق و سوريا و مالي ؟!

 أوقن بطبيعة الحال أن ( أولاند ) حمل في حقيبته المنتنة , ملفا سريا تآمريا يتعلق بالحالة الليبية , أو بالنفط الليبي إن شئنا الدقة , و أن هنالك ( مسكوتا عنه ) لم يقله أحد للصحافة , و لكنني مضطر هنا أن أدعو أصدقائي المثقفين في مصر إلى مراجعة متلازمة ( فرنسا / الحرية ) التي تشبعنا بها يوما بصورة حالمة مراهقة غير ناضجة , و لم نفطن إلى أنه في الوقت الذي كان فيه البرلمان الإنجليزي مثلا يقر ( مرسوم التسامح الديني ) , كانت المذابح الدينية على الهوية , هي طابع الحالة الفرنسية , و خصوصا في السنوات التي أسماها ( روبسبيير ) : ( إرهاب الحرية ) ! و في صدارة هذه المذابح ( مذبحة فاندي ) التي راح ضحيتها ثلاثمائة ألف من البشر , مسخهم السلاح الفرنسي و أبادهم بفجور ؟! و تواصلت السادية الفرنسية حديثا حين هبط أباطرتهم رأس سيدي فرج بالجزائر عام 1830 , فصدروا الموت و الرعب لكل بيت و رسخوا قوائم حالة استعمارية فريدة قائمة على ( اعتصار الموارد ) بضراوة ! و تحولت فرنسا كما يقول المفكر الكبير الراحل ( مالك بن نبي ) ( 1905 _ 1973) _ و عن حق _ إلى ( ممارسات إجرامية منظمة ) بدءا من عام 1945 فصاعدا !

 على الحالمين الثوريين في العالم العربي , ألا يراهنوا كثيرا على صحوة ضمير أوروبية ( فرنسية بالخصوص ) في أزمات الداخل العربي , فقد تأكد لدينا أن هنالك مسوخا يقودون السياسات الفرنسية , و أن قصر ( الإليزيه ) قد دخله سماسرة الموت و تجار الأنفار ! و ليبق واضحا لنا أن المنجزات الوطنية الكبرى , لا تصنعها إلا سواعد الداخل , و أن الرهان على ( باريس ) أو منظومة السياسة الأوروبية , هو تجرع لموت بطيء !

من جريدة المصريون
بتاريخ22 أبريل 2016

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق