09‏/07‏/2017

مصريتان ..بالوثائق و شواهد القبور !

مصريتان ..بالوثائق و شواهد القبور !



15 أبريل 2016
رداً على ( رحلة الدم ) : .. ثلاثة مسيحيين أنصفوا الفتح
تربطني بالشعب السعودي الشقيق أوثق الصلات , و تجمعني مودة صافية بكثرة معتبرة من الأصدقاء بالمملكة , و قد آنست لديهم ودا صافيا و حرصا جادا على الأخوة , و لا جدال أن هذه الاخوة ظلت معلما بارزا لعلاقات البلدين , منذ أقدم العصور . لكن تداعيات العملية المفاجئة لإعادة ترسيم الحدود البحرية بين البلدين , فجرت دوائر مخيفة من الذهول لدى الشريحة الأوسع من الشعب المصري , الذي فوجيء _ دون أدنى تمهيد أو توطئة من سلطته _ بانتقال السيادة في جزء من ترابه الوطني ( و إن كان بضعة سنتيمترات ! ) إلى المملكة العربية السعودية , كما بوغت بإعلان جزيرتي ( تيران ) و ( صنافير ) أرضا تابعة _ جغرافيا _ للمملكة !

 و في تقديري أن خطاب الرئاسة قد زاد الطين بلة , و الداء علة حين بدا عاطفيا مرتدا إلى الماضي القريب بعيدا عن لغة الوثائق تماما , فيما بدا الإطار العام الذي تعاملت به السلطة مع القضية ممعنا في الاستفزاز , موقعا بتبلد شهادة الوفاة ل ( الجماهير ) التي غابت تماما عن حلقات التفاوض منذ البداية . و لعل أكثر عناصر الموضوع إيلاما , ما بدا بوضوح من مسلك ( تجنيب الجماهير ) أو تنحيتهم جانبا فلم تعد إليهم السلطة في أي شيء , و تم إجهاض حقوقهم الدستورية و النيابية تماما في العودة إليهم و اتخاذهم ( إطارا مرجعيا ) في موضوع الجزيرتين , سواء بالاستفتاء أو بالتمرير ( الواجب ) الضروري على ممثليهم النيابيين ! و صحونا ذات صباح لنفاجأ و نحن نفرك عيوننا بأن تسليم الجزيرتين للمملكة أصبح أمرا واقعا نافذا لا مرد له !

 و في المقابل و بمنطق الاستباق بالهجوم بدا خطاب الرئاسة صارما و منحيا باللائمة في أزمات مصر , سواء في قضية ( ريجيني ) أو ( الجزيرتين ) على مواقع ( التواصل الاجتماعي ) المصرية , التي حملتها السلطة أزمات المرحلة و محنها في مسلك كاريكاتيري , كما بدا خطاب السلطة شديد الخفة , حين تحدث عن الأخوة و التعاون النموذجي و تفويت الفرصة على الأعداء الإقليميين و غير ذلك من ( الكليشيهات ) المعلبة التي نسمعها منذ عقود , دون أن تدرك السلطة , بالوضوح الكافي , أن الأمر لا يتعلق هذه المرة بمشروع استثماري أو مشادة عابرة كمشادات القمم العربية , أو واقعة اعتداء على أحد رعايا البلدين مثلا , و إنما يتعلق هذه المرة ب ( التراب الوطني و حدود الدولة المصرية ) , و هو في كتاب المواطنة و معجمها ( قدس الأقداس ) !

 قاد ( مركز دعم اتخاذ القرار التابع لرئاسة الوزراء ) حملة عكسية بعد انفجار براكين السخط الشعبي , ليحاول إقناعنا بأن الجزيرتين تاريخيا ليستا مصريتين , دون أن تكلف المؤسسة التابعة لمجلس الوزراء خاطرها بنشر وثيقة واحدة تزكي موقفها ! و قادت ( الإهرام ) حملة صحفية ورقية لإقناع المصرييين بالخطوة _ دون نشر أية وثيقة أو خريطة ! _ فسقطت مهنيا , كما لم تسقط من قبل , إلى حد أن يحتج أحد كتابها في زفة التبرير , في زاوية صحفية , بأنه يكفي أن يكتب ( هيكل ) في أحد كتبه منذ ثلاثين عاما بأن الجزيرتين سعوديتان لنقتنع بسلامة الموقف المصري و كأن هيكل هو الموحى إليه بسلامة التاريخ و الجغرافيا و السياسة بعد انقطاع الوحي ! و مضت ( لميس ) ورفاقها في حملة مدينة الإنتاج الإعلامي الضخمة لتصب شواظا من نار على مواقع التواصل الاجتماعي _ ضمن محاور دفاعية مجهزة سلفا و معدة بصورة مشتركة _ مؤكدة بدورها سلامة الموقف المصري الرسمي دون أن تجيبنا على ثالوث الأسئلة المؤرقة : لماذا لم يستشر الشعب ؟ و لماذا في هذا التوقيت ؟ و أين الوثائق و الخرائط و قرائن التاريخ ؟ فضلا عن سؤال رابع : لماذا لم يتم اللجوء أسوة بالعرف الدولي إلى التحكيم الدولي ؟ !

 أشفقت على أستاذي و صديقي الأعز المؤرخ د ( عاصم الدسوقي ) و هو يحاول , عبثا , إقناعنا عبر الإعلام  بنبرات صوت منكسر بأن الجزيرتين كانتا تابعتين رسميا لمملكة الحجاز , قبل ضمها لاحقا إلى المملكة العربية السعودية , و لم يشر المؤرخ الكبير إلى شاهد واحد أو مرجع واحد أو خريطة واحدة أو وثيقة واحدة !

 عاد المصريون _ أفرادا و جماعات _ إلى التاريخين : القريب و البعيد , حيث أكدت صورة الوثائق و الخرائط المنتمية إلى حملة نابليون ( 1798 ) ملكية مصر للجزيرتين ووقوعها في دائرة السيادة المصرية . و مضت الخريطة التاريخية التي رسمها ( راديفيلد  ) Radefeld قبل قرنين لتؤكد وقوع الجزيرتين ضمن السيادة المصرية ! و تضافرت الوثائق و الخرائط المنتمية زمنيا إلى الفترة الواقعة بين 1872 و 1915 لتؤكد الأحقية المصرية ! بل إن اتفاقية لندت عام 1840 , ثم اتفاقية ترسيم الحدود بين الدولة العالية العثمانية و الدولة الخديوية المصرية عام 1906 مضتا على الطريق نفسه في نسبة الجزيرتين للدولة المصرية ! و هو ما أكدته جميع الخرائط و الوثائق التي عدنا إليها حتى عام 1950 !

 و حرص المفكر الكبير الراحل د جمال حمدان على تأكيد الأحقية المصرية نفسها في موسوعته الكبيرة : ( شخصية مصر ) و هو يتجول بنا عبر أربعين جزيرة في القسم الشرقي لمصر المطل علي خليجي العقبة و السويس ( شخصية مصر / ج 1 / ص 453 و ما بعدها ) .

 و بقي الهاجس الذي يشق كل حقائق الجغرافيا و التاريخ و يطل على السطح بقوة مجسدا في هذا السؤال : ماذا عن أطنان الدماء المصرية التي أسيلت في هذه الأمكنة قبل عقود دفاعا عما اعتقدته من حق و عقيدة راسخة في الحدود و الأرض ؟

 أخطر ما في هذا الترسيم الجديد للحدود أنه سينجم عنه بوضوح شديد ( تدويل  ) الممر المائي بين ( تيران ) و ( سيناء ) مما يخرجه سياديا من تبعية مصر و السعودية معا , و يفتح الباب لإنشاء القناة الإسرائيلية الموازية لقناة السويس , و التي أزمعت إسرائيل إنشاءها دون أية إعاقة ! و الأكثر خطورة قلب المعايير بتخوين من يدافعون عن التراب الوطني _ و لو بالفهم و الاعتقاد الخاطئين _ في مقابل صك البراءة الوطنية الذي يمنح بسخاء لكل مصري يدافع عن سعودية الجزيرتين , حتى و إن غابت الخرائط و تبددت الوثائق ! إنها اللحظة الأكثر درامية في تاريخ مصر !

من جريدة المصريون
بتريخ15 أبريل 2016 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق