جريمة جروزني ..تأصيل شرعي أم لعبة سياسية ؟!
حين كتبت مقالتي الأحدث ـ الأسبوع الماضي ـ بعنوان : ( الجريمة المذهبية المتكاملة في ( جروزني ) , مستنكرا ً هذا الحشد المتآمر , تحت قيادة رجل مثير للشكوك , هو الرئيس الشيشاني : ( رمضان قاديروف ) سكرتير ( بوتين ) الأمين , و من ورائه بطبيعة الحال الدب الروسي الداهية , و حين أشرت إلى أن موسكو تلعب لعبة طائفية خطيرة و تسعى إلى توريط القاهرة في سخامها الطائفي العطن , و تسعى بالقدر ذاته إلى نزع ما بقي من هيبة الأزهر و أبويته التاريخية لكل الأطياف و المذاهب لفض الريادة الأزهرية و إنهائها إلى الأبد , و ربط المشهد الملتبس في المنطقة بالمشهد الأكثر التباسا ً في سوريا , و هي لعبة روسية لا تقل _ في قذارتها _ عن قذارة البلطجة الروسية الدموية في فضاء سوريا , و هي البلطجة التي دمرت مدنا ً بالطيران و سوتها بالأرض و حرقت وجوه المدنيين بلا رحمة و مسخت الآدميين في حفلة شواء بشري وضيعة , لا أدري كيف حولها الناصريون و شلة ( القومجية ) في مصر إلى بطولة مشهودة أو فروسية مدوية إلا إذا كانوا قد استقالوا نهائيا ً من ضمائرهم ! و حين تساءلت بوضوح : لماذا يعاد الآن تحديدا ً تعريف ( أهل السنة و الجماعة ) ؟ ! و ما هي المحددات الشرعية لهذا التحديد ؟! و لماذا ينفرد _ حصريا ً ! _ د / علي جمعة و د / أسامة الأزهري و د / شوقي علام و د / أحمد الطيب بالحصة المصرية من هذا التحديد دون العودة إلى المجامع العلمية الرصينة مع احترامنا للرباعي المذكور ؟ ! و لماذا إخراج وطن بحجم السعودية _ أيا ً ما كان الرأي في سياساتها _ من هذا التحديد ؟! و هل تحسب الضالعون المشاركون في كارثة ( جروزني ) للتداعيات و الآثار الخطيرة لخطوتهم ؟! أقول حين صنعت ذلك كله الأسبوع الماضي فوجئت بسيل من هجوم ( اللجان و الكتائب الإلكترونية ) على صفحتي و تأكدت أن إعادة التعريف لمذهب ( أهل السنة و الجماعة ) , بحيث يقصى السلفيون ( أيا ً ماكانت تحفظاتنا على منهجهم ) و أهل الحديث , هو _ في حقيقته _ مؤامرة كبيرة لخلخلة المكونات العقدية لأقوى المذاهب تماسكا ً في الحالة الإسلامية , فلا أشك للحظة أن الحالة السنية هي الخيط الأساسي الرابط للحالة الإسلامية عموما ً , و هي صاحبة الريادة , و الملهم الأساسي لكل مشروعات البعث الحضاري و التجدد . كانت الضربة _ إذن _ موجعة و مقصودة بلا جدال .
هذا الهجوم الهستيري للجان الإلكترونية المشبوهة ضدي , لمجرد أنني أدعو إلى إعادة اللحمة لا شق الصف , و الاعتماد على التأصيل الشرعي السليم لا ألعاب السياسة الإكروباتية القذرة , و مد الجسور بين ( الأشاعرة ) و ( الماتريدية ) و بين التيار السلفي العريض , للتغلب على أية خلافات عارضة أو سوء فهم محتمل أو حاضر , أقول إن هذا الهجوم الهستيري , قد أكد لي أن مخططي الغرف المغلقة قد قرروا خلط ( السياسي ) و ( العقدي ) و إرباك الأوراق أمام ( القاهرة ) و ( الرياض ) تماما ً , بما يسمح بمزيد من تلغيم الوضع المذهبي و الطائفي في المنطقة , ليكون الانفجار أشمل و أوغل في العمق ! و لا عذر لنا في أن ننقاد بهذه الخفة لدسائس موسكو و مؤامراتها المكشوفة , كما أنه لا عذر لنا بالمنطق نفسه في أن ننقاد لمؤامرات واشنطن المماثلة التي تلعب هي الأخرى بالورقة المذهبية و الطائفية لحسابها , ففي النهاية نحن الذين نسدد الفاتورة و نحصد منها الحنظل !
و لا مشكلة لدي في أن يفتتح الأزهر مسجدا ً في الشيشان ( شمال العاصمة ) _ مسجد الحاج ( يوسف القلقشندي ) _ أو أن يلقي د ( أسامة الأزهري ) خطبة عصماء في المسجد الجامع ( قلب الشيشان ) , ليتغزل في السخاء الروسي و البطولة الروسية و ( بوتين ) حامي الحمى , فهذا في النهاية اجتهاد ما , لكنني أطالب فقط المندفعين في وصلات الغزل العفيف أو الصريح ل ( موسكو ) بإعادة مطالعة وجه الطفل السوري ( عمران ) و الذي أحرقته موسكو بقصفها الطيراني بغل أسود و حقد موتور أعمى , و انتهازية سياسية رخيصة لم تبال في أن تدمر مدنا ً بخسة منقطعة النظير , هؤلاء هم الذين نتحالف معهم و نعيد _ اصطلاحيا ً و مذهبيا ً _ تعريف مذهب ( أهل السنة و الجماعة ) على طاولتهم و بمشاركة غرف مشورتهم الشيطانية .
و لا يفزعني مطلقا ً أن يجتمع مائتا عالم من علماء االسنة في ( جروزني ) , ليصدروا لنا هذا السم الطائفي الزعاف , فالكثرة هنا لا تعني ثقلا ً و لا وزنا ً فكريا ً معتبرا ً , و يمكن هنا أن نحشو عشر حافلات بمئات العلماء _ تبعا ً لمواصفات بعض الأنظمة و الحكومات _ إذ يغدو العدد هنا محض إضافة رقمية بلا جدوى! و ما أيسر أن ندفع بوجوه ديكورية تستوفي شكلا ً أجوف , و ما أصعب في الوقت نفسه أن ننفح الأمة بوجوه رفيعة متجردة في قامة ( محمد الغزالي ) و ( محمد أبو زهرة ) و ( المراغي ) و ( محمود شلتوت ) و غيرهم ممن علمونا معنى الاعتدال المذهبي و الفكري !
البسطاء لا يعرفون ما معنى ( الأشعرية ) و ( الماتريدية ) , و ما علاقة الفرقتين ب ( أهل السنة و الجماعة ) , و هل ثمة جفوة أو قطيعة بين الفرقتين و بين ( السلفيين ) , و لماذا يوضع هذا اللغم المذهبي الآن , و لكن بعيدا ً عن هذا الخط التساؤلي , أخاطب أصحاب التأصيل الشرعي الكسيح في ( جروزني ) : هل كان ( أبو الحسن الأشعري ) صاحب المذهب ( 260 _ 337 هجرية ) يفكر بهذه الطريقة ؟ ! و هو الذي تمرد على ( الجبائي ) بسبب نزعته الطائفية و رسخ لحاضنة جماعية معتدلة تضم الجميع بمنأى عن الأهواء الشاردة عن حقيقة القرآن و السنة الصحيحة المتواترة . أغلب الظن أن المجتمعين في مكلمة ( جروزني ) لم يقرأوا حرفا ً واحدا ً للأشعري نابغة البصرة و رمز الاعتدال و المرونة المذهبية . و أغلب الظن أن هذا الداء لازم نجوم ( جروزني ) حين عادوا إلى كتب ( أبي منصور الماتريدي ) الذي رسخ في ( سمرقند ) و بلاد ماوراء النهر , ذات الروح المذهبي الوسطي الجامع , فلم يفهموا أن الحركة الفكرية التي قادها الرجل استهدفت أساسا ً إعادة اللحمة و توطيد القواسم المشتركة لا شق الصف ! و لا بد من تذكير نجوم ( جروزني ) بأن المناخ الذي نشأت فيه الحركتان , لعب فيه ( أهل الحديث ) ( الذين يراد إقصاؤهم الآن ! ) دورا ً أساسيا ً في عملية الإصلاح المذهبي و العقدي في أواخر القرن الثالث الهجري و بواكير القرن الرابع , بعد ان أنهى ( المتوكل ) المحنة و أطلق يد المحدثين و الفقهاء , الذين صاغوا الملامح الفكرية للمرحلة بعد غروب شمس المعتزلة .
و بالجملة فإن الأشاعرة و الماتريدية و السلفية الحقة و غيرهم ممن استلهموا حقائق القرآن و السنة الصحيحة المتواترة رفقاء طريق واحد , و انشغالات واحدة , و الحكمة تقتضي بأن نتلاحم في وقت الخطر لا أن نشطر الجسد الواحد المنهك أصلا ً لنقطع أشلاءه , شلوا ً شلوا ً ! حسنا ً فعل الأزهر ببيانه الأحدث الذي تراجع من خلاله عن خطوة ( جروزني ) الكارثية , و بقي أن يستعيد الأزهر ذاكرة الميراث النضالي , الذي عرف كيف يحتفظ بمسافة أمان بعيدا ً عن نزق السلطة و مغامراتها ذات الطابع السياسي , كما فعل الشيخ ( أحمد الدردير ) و ( عبد الله الشرقاوي ) و ( عباس الجمل ) و كتيبة الكبار , الذين شكلوا معالم الريادة الأزهرية و صنعوا صورتها المستقلة و صوتها النضالي عبر مراحل التاريخ , الذي يبدو أن الأحفاد قد نسوا جانبا ً كبيرا ً منه !
من جريدة المصريون
بتاريخ09 سبتمبر 2016
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق