07‏/03‏/2015

انتحار الليبرالية المصرية

انتحار الليبرالية المصرية


هي واحدة من جملة الحقائق المرة التي نتجرعها غصصاً و نواجهها بحزن و كمد، و لكن مواجهتها مع ما تنطوي عليه من أسى نافذ باتت أمراً واجباً لا معدل عنه، فقد دأبت الليبرالية المصرية على غسل يديها من تداعيات كل مرحلة قمعية تسلطت فيها الأنظمة الشمولية بذريعة أنها نصحت و لم يأبه أحد لنصحها، و أنها ناضلت مردة الشر في الدولة القمعية و وجدت ذاتها وحيدة في الميدان بغير ظهير سياسي، و أنها بقيت، في مؤامرة الصمت المتواطئ، الصوت الوحيد الذي يصدع بالحق و ينافح عن حقوق السجناء و المعتقلين و النشطاء المغيبين خلف الأسوار! و قد يكون ذلك صحيحاً، بصورة نسبية، في بعض مراحل الحراك السياسي المصري الحديث، بيد أن الأزمة المصرية الأخيرة بتداعياتها السياسية المروعة، قد دفعت بقسم غالب من التيارات الليبرالية إلى إلى مساحة انكشاف لا أتردد في وصفها في غير شطط بـ "المخجلة"! بل إنها وجهت طعنة نجلاء لميراث محمد حسين هيكل و محمد التابعي و لطفي السيد و أمثالهم من رموز المدرسة الليبرالية المصرية و أساءت لتاريخها أبلغ الإساءة فبدا الليبراليون المصريون، مع صعود موجة العسكر، أبواقاً تبرر و ميكروفونات تسوق للملاحقات و سحل المعارضين و استهدافهم بزخات الرصاص الحي، بل رضي بعض رموز المدرسة الليبرالية الراهنة لذاته بدور بيادق الشطرنج التي تحركها المؤسسة العسكرية في إطار شكلية ديمقراطية ديكورية تفتقر إلى الحد الأدني من أسس المنافسات الديمقراطية الصحية، و الأكثر مدعاة للمرارة أن نرى النسيج الأبرز من المدرسة الليبرالية يتحرك منذ البداية (ما قبل الثالث من يوليو) باتجاه "تسول" انقلاب عسكري يزيح الخصم السياسي الأقوى في رهانات السباق الديمقراطي، غير مبالٍ بالنتائج الكابوسية على مستقبل البلاد و أوضاع الحريات و حقوق الإنسانية جراء هذا المسلك الأناني فرأينا أفواهاً محشوة بالقطن لا تدين قانون التظاهر بأدني إشارة، و رأينا عيوناً شاردة تنظر ببلاهة إلى تحصين عقود المستثمرين مع الدولة دون أدني أمارة استياء، و رأينا سجوناً تكتظ بسجناء الرأي الذين يتراكمون ألوفاً دون تعقيب! بل رأينا تبلداً رديئاً للضمائر بإزاء مجازر الفض التي هرست العظام و عجنت اللحوم الإنسانية الحية في عملية طهو أمني معدة بقسوة لم يعرفها تاريخنا الحديث تقريباً! فهل تستطيع الليبرالية المصرية الادعاء بأنها لم تر عملية الشواء و لم تنتبه إلى ألسنة النار التي تمسك بالثياب و الخلايا و شعر الرؤوس!و بوضوح أخطأ الإخوان حين بادروا إلى توطين كوادرهم بوتيرة مكثفة في مرافق الدولة و وزاراتها حين كان الأمر بيدهم و كان يتعين أن يشرعوا الأبواب لرفقاء الميدان، خصوصاً الشباب، من كل الأطياف، لكن الليبرالية المصرية ضاعفت الخطأ الدرامي المركب حين غضت الطرف عن مجازر الحريات و شاركت في بعض فصولها!إن الليبرالية المصرية يتعين أن تدرك أن الضلوع في عمليات سياسية معطوبة أو مخضبة بالدماء هو، في الآن ذاته، مباشرة لعملية الانتحار السياسي! و ما زال أمام هذه المدرسة الليبرالية الجديدة الوقت لتنتصف لـقيمها الكبرى و تتسق مع ذاتها و إلا فإن حكم التاريخ سيكون أكثر قسوة مما يتصورون أو نتصور!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق