تصاعد مؤشرات العنف في مصر.. حذار من نقطة (اللادولة) !
يستطيع أي مراقب أو محلل أن يلحظ _ بحيدة وتجرد _ ارتفاعًا خطيرًا في مؤشرات العنف الدامي في مصر في السنوات الأربع الماضية، سواء أكان هذا العنف منبثقًا من أفراد أو جماعات أو تنظيمات، أو من الدولة نفسها! وتتعاظم أسباب القلق المؤرق حين نلمح _ على هامش المشاهد العنيفة _ تصاعدًا بالغ الخطورة في نوع العمليات العنيفة أو كثافتها التفجيرية أو اختراقها الجريء لأحشاء مناطق ذات هيبة أو مؤسسات عبادية _ للمسلمين والمسيحيين على السواء _ وكان المشهد الأحدث، الأكثر ألمًا وإيجاعًا بالقطع هو مشهد (الكنيسة البطرسية)، حيث تطايرت الأطراف ونقلت الكاميرات صورًا محزنة إلى غير حدود لرؤوس برز منها محتويات الرأس الداخلية _ من قوة الانفجار _ وأحذية متطايرة مصبوغة بالدماء، ووجوه مسخ التفجير الدامي ملامحها بالكلية! ومن قبل ذلك مباشرة كان استهداف كمين الهرم، وهو الاستهداف الذي صفى _ جسديًا _ كل أفراد الكمين دون تمييز! وسبق ذلك عنف استخدمته الدولة نفسها ضد أفراد أو أسر وعائلات، خارج نطاق القانون، إلى حد الحديث الصريح من قبل جهات (مسئولة) في مؤسسات صحفية تملكها الدولة أو تهيمن عليها، عن فكرة (التصفية) _ باللفظ الصريح دون مواربة! _ وهو مصطلح خطير لا يتعين أن تتلفظ به أية دولة ذات مؤسسات (وقد استخدمت طريقة التصفية الجسدية المباشرة مع من زعم أنهم قتلة (ريجيني)، ثم أعلنت الدولة نفسها أنها مازالت تبحث عن القتلة دون توصل لنتائج ملموسة! فماذا عمن تمت تصفيتهم جسديًا داخل السيارة؟ وفيم قتلوا؟)) ويتواكب مع هذا استخدام بعض القيادات، أو المسئولين لفظ (الثأر) صراحة، وكأننا بإزاء حالة عشائرية أو قبلية، تتبادل عمليات التصفية الجسدية ولسنا بإزاء دولة تحكمها قوانين ودساتير ومواثيق، ويتعين أن تستخدم فيها ألفاظ أخرى من قبيل (المساءلة القانونية) و(العقوبة) المعتمدة عن عمل جنائي مؤثم ثبت بالدليل، لا عن (تصفية) و(ثأر) وهما لفظان تستخدمهما القبائل والأفراد الغاضبون، ولا تستخدمهما الدولة، أية دولة!
ولم أتطرق في المقدمة إلى حمامات الدم المرعبة في (سيناء)، أو إلى حديث بعض الأصوات المتحشرجة في فضائيات تركيا عن تفكيك الجيش المصري لآخر مجند! وهي دعاوى موسومة بالعنف (فاختفاء الجيش المصري يعني، فعليًا، انهيار آخر مؤسسة متماسكة في مصر!)، مع تسليمنا بالخطأ الوارد لبعض القيادات في تقدير الحسابات والأمور منذ البداية وحتى الآن! ولم أشر إلى بلطجة تحكم الشارع المصري وتسعى إلى نيل كل شيء بلي الذراع وقوة الساعد! وقد يكون النموذج المروري شاهدًا قويًا على صحة ما أقول، فدور رجل المرور يشحب ويتوارى تدريجيًا؛ حيث تفتح الإشارات وتغلق في كثير من الشوارع الرئيسة والميادين الكبيرة بالبلطجة ولي الذراع دون انتظار صفارة رجل المرور وعصاه (وفي كثير من الميادين الكبيرة من أسف يتغيب رجل المرور لأسباب غير مفهومة!)، وشعار الجميع _ إلا فيما ندر _ (احشر سيارتك دون خجل وافتح الإشارة بالعضلات وفرض الرأي!) ويدفع الثمن هنا بطبيعة الحال الشرفاء والملتزمون بالقانون!
ولم أتطرق _ بالمثل _ إلى بلطجة اجتماعية خطيرة، شقت مساحة خلاف دامية داخل الأسرة الواحدة، وبعض هذه الخلافات تأسس على خلفيات (سياسية) خلقتها الحالة المتوترة / المنقسمة، التي فرضت علينا جميعًا بعد بيان الثالث من يوليو، الذي توارت فيه السياسة أو ماتت فعليًا لترتفع _ وحدها _ لافتة الخيار الأمني بصوت حنجري غليظ، حجب أي صوت أو حديث عن احتواء ومواءمات سياسية أو مصالحات تدعم حالة الانفراج الوطني الكبير! ومن هنا ظل فتيل العنف في المشهد المصري متحفزًا للانفجار في وجوهنا في أي وقت، وتعمقت المخاوف والانقسامات، بل إن بعض ممارسات الدولة في كثير من الأحيان، غلب عليه طابع التخوف الشديد بما يؤكد أن عدوى الخوف والترقب المتوتر لخطر قادم لم يسلم منه الجميع بما في ذلك الدولة نفسها!
كان من أهداف بيان الثالث من يوليو مواجهة العنف و(الإرهاب) الذي كان _ آنذاك _ (محتملاً)!] ومنذ هذه اللحظة انفلت كابوس العنف الدامي بلا سقوف، وتوحش الداخل المصري مبرزًا نابًا أزرق غرس حده المسنون في رقابنا جميعًا دون تمييز! ولم أشر إلى بعض فتاوى الاستباحة، التي تمتطي قاطرة الشرع دون تبصر، لتتحدث عن ردة المصريين جميعًا عن بكرة أبيهم! أو تتحدث عن (خوارج) _ (رائحتهم نتنة بتعبير البعض!) _ بمعزوفة / نشاز أوردت النصوص في غير أقيستها ومواضعها: (.. طوبى لمن قتلهم وقتلوه..) وكأن أي معارض _ بالمطلق _ خارجي من الخوارج المارقين! وكأن (القتل) نزهة لطيفة يباشرها البعض كقنص الغزلان أو اصطياد العصافير!
ولم أتطرق لتنصيب البعض داخل القرى والمحافظات من نفسه قاضيًا ومنفذًا في الآن ذاته، على نحو ما جرى في الفيوم حين استخدم بعض الناس عقوبة (التجريس) _ أي الفضح! _ فألبسوا زوجًا أساء لزوجته ملابس نسائية وطافوا به الأزقة والشوارع في مشهد غوغائي لا يمت للمجتمعات المعاصرة بأدنى صلة! ولم أتطرق إلى ما جرى في فض (رابعة) وأخواتها، وهو المشهد الذي وصفته (هيومان رايتس وتش) بـ(أسوأ عمليات قتل. في تاريخ مصر الحديث) وقد وثقت بعض المراكز الحقوقية عملية موت أكثر من ألف متظاهر في عشر ساعات لا أكثر! بخلاف ما تعذر توثيقه!
ولم أتطرق إلى (تنظيم الدولة) الذي عرف طريقه إلى (سيناء)، وهو تطور موجع / خطير، وخصوصًا بعد نقل بعض عملياته _ في تمدد متوحش خطير _ إلى (حلوان) و(القاهرة)، وقد أكد بعض الدارسين والمراقبين، أنها المرة الأولى في تاريخ مصر، التي يقدم فيها تنظيم جهادي مصري على مبايعة تنظيم أجنبي! (راجع دراسة د / عمر عاشور أستاذ دراسات الأمن بجامعة (إكستر) والمعنونة: "تنامي العنف".
ولم أتطرق إلى وقائع خطيرة بحجم تفجير طائرة (الإيرباص) الروسية في (شرم الشيخ) في أكتوبر 2015، وهي الواقعة التي أسفرت عن مقتل كل الركاب والأطقم (224 شخصًا!) ولم أتطرق إلى خروج منسوب العنف خارج حدود سيناء والصحراء الغربية إلى العاصمة! أو انضمام ضابط الشرطة السابق (أحمد الدروي) إلى تنظيم الدولة وموته تحت رايتها، وهو الذي شارك في العلن في الانتخابات النيابية المصرية في 2012! وأي فضاء سياسي واقتصادي موبوء نقله من صندوق الانتخابات إلى صندوق الذخيرة!
والأسوأ في قيادة المشهد المصري وتكييفه، هو استئصال حالة الأمل باستئصال المعتدلين، على نحو ما حدث مع (عصام دربالة)، وهو المشهور بفكرة المراجعات التي قادها _ مع بعض زملائه _ حيث أنتجوا ما يقرب من ثلاثين كتابًا لمواجهة فكر تنظيم القاعدة، وأثمرت المراجعات ثمار التهدئة المجتمعية الراقية، قبل أن تحصد الحماقات السياسية ثمرة المراجعات وتقص الجميع بمنجلها الأعمى!
بإزاء هذا الحصاد المرير من النتائج الكارثية لما أسماه بعض الدارسين بـ (التسلط الدولتي وحالة إقفال الحقل السياسي) (راجع كتاب مدحت مطر: "تنامي ظاهرة العنف في المجتمع وعلاجها" ص 38 وما بعدها / دار اليازوري للنشر 2014) أطرح سؤالًا لصناع القرار المصري ومستشاريهم: هل تتصورون أن تصعيد تروس الخيار الأمني سيحل الأزمة أم يخلق مناخًا مثاليًا لتنظيم الدولة، ويخلق _ من ثم _ حالة تعاطف معه لدى بعض الشرائح بعد إماتة السياسة والمشاركات الشعبية؟ ويلحق بهذا سؤال بسيط: متى يقتنع صناع القرار بأنه آن الأوان لرد الاعتبار إلى السياسة وتثمين فكرة الانفراجات والمصالحات الوطنية؟ وما منسوب الدماء المصرية الذي يمكن أن يجعلنا نقتنع بجدوى السياسة وضرورتها؟
من جريدة المصريون
بتاريخ30 ديسمبر 2016
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق